تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعلم في المدارس الابتدائية والثانوية، حتى إذا جاءها لم يجدها شيئا، وإنما وجد فريد

أفندي يتبجح بالدعوى ويفيض بالوعود، وإذا ذكر بعض المسائل خبط فيها على

غير هدى، كما خبط في المسائل التي انتقدناها في الجزء الماضي.

أيجوز لنا أن نسكت على هذا كله، ونحن نرى الرجل يجعل عدم الإنكار

عليه حجة على أنه مصيب. بل غره هذا السكوت، فقال في أواخر مقالته الرابعة

في اللواء:

(وإني لأعجب للشيخ رشيد في إثارته أئمة الدين علي، مع أنهم قرروا كنز

العلوم واللغة في الأزهر وملحقاته رسميا، وهم على وشك تقرير مؤلفاتي الأخرى) .

والذي يفهم من هذه العبارة أنهم قرروا تدريس هذا الكتاب، وهذا غير

صحيح. وكيف يقررون تدريس كتاب هو عبارة عن أمشاج من فنون قديمة

وحديثة، يكثر فيها الخطأ، وتقل الفائدة، وفيه التشنيع على التقليد، والقول

بالاجتهاد، وبإثبات مذهب الوهابية، والتشنيع على مذهب المتكلمين، وبإنكار

الشفاعة، والخلط في مسائل الشريعة، كما سنبينه في جزء آخر. على أنه ليس

من الكتب التي يدرس مثلها. وقس على هذه الدعوى دعواه؛ أن الدولة التركية

قررت تدريس بعض كتبه في مدارسها.

إنه لم يقرر تدريس الكتاب، ولا مطالعته في الأزهر ولا في ملحقاته، وإنما

بلغنا أنه اشترى منه بعض نسخ لدار الكتب (الكتبخانة) الأزهرية. فهل يعد هذا

تقريرا من أئمة الدين لكتابه؟ وهل صار أهل الأزهر اليوم أئمة، ولم تمض سنة

على تلك السهام التي سددها إليهم، حتى جردهم من العلم والدين، وجعلهم أكبر

بلاء على المسلمين؟ ؟ لعلهم إذا اشتروا منه كتابا آخر، يمنحهم شهادة بأنهم أئمة

في العلوم العمرانية والكونية.. إلخ إلخ، هكذا يكون الإصلاح.

وجملة القول في هذا الجزء أن هذا الرجل ادعى دعوة كبيرة، وجعل

السكوت عليها دليلا على صحتها وهي غير صحيحة، فنقده يعرفه حده، وينبهه

على ما هو غافل عنه من المنكرات في عمله، ويخرج العارفين به من معصية

السكوت على المنكر.

ولسنا في حاجة إلى إيراد ما ورد في الكتاب الإلهي والأحاديث النبوية من:

إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعيد على تركهما، وناهيك بلعن

الله - تعالى- للذين لا يتناهون عن منكر فعلوه.

أجوبته على ما انتقدنا عليه

جعل فريد أفندي وجدي مقالته الأولى مقدمة في شتمنا، وإطراء نفسه بالمدح

والفخر، وقال في أول الثانية ما نصه:

أتيت أول أمس على مقدمة في موضوع الشغب الذي أثاره على مدرسة العلوم

العالية الشيخ رشيد رضا، وأريد اليوم أن أناقشه في جزئيات هذا الشغب؛ ردعا

له ولأمثاله عن التطاول إلى ما لا يعنيهم من أمورنا، حتى نفرغ لأداء واجباتنا،

والقيام بأعباء أعمالنا المفروضة علينا لأمتنا وملتنا.

وإني أرجو من وراء مناقشته في جزئيات كلامه أن يعرف مكانه من هذه العلوم

فيثوب إلى صوابه، وينخرط في سلك طلبة هذه المدرسة التي ما أسستها إلا له

ولأمثاله ممن لا يعرفون اللغات الأجنبية، وهم في أشد الحاجة إلى الإلمام بأصول

العلوم الأوربية العالية التي لا كتب لها باللغة العربية.

أقول له (أولا) : كيف لا يعنيني أموركم لأمتكم وملتكم؟ ألست أنا من أبناء

هذه الأمة ومتبعي هذه الملة؟ إذا كانت أمتك هي المصرية لا الإسلامية، فهل ملتك

يا فريد أفندي هي الملة المصرية القديمة دون الإسلامية، حتى نضيفها إليك وإلى

قومك، إن كان لك قوم يرضون ذلك، وتجعلني ممن لا يعنيهم أمرها؟ ؟

(وثانيا) كيف تقول: إنه لا يوجد كتب عربية في العلوم الأوربية، حتى

كأنك بمعزل عن النهضة العلمية العربية في سوريا ومصر. ألم تعلم أن جميع

العلوم كانت تدرس باللغة العربية في المدرسة الكلية الأمريكانية بيروت، وفي

مدارس أخرى عالية وابتدائية فيها، وفي غيرها، منها مدرسة كفتين بجوار

طرابلس (بندرنا) ، والمدرسة الوطنية الإسلامية في نفس طرابلس، ألم تطلع

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٩٥