تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بأن يودعه رسوم (خرط) جميع البلاد والممالك، وصور أشهر الرجال المتقدمين

والمتأخرين.

فهل في استطاعة أحد من البشر أن يؤلف كتابا كهذا؟ كلا إنه لم يوجد في

البشر من يتقن هذه العلوم كلها إتقانا يستطيع به تلخيصها في دائرة معارف، وإنما

يؤلف دوائر المعارف في أوربا الجمعيات، لا الأفراد.

ولو فرضنا أن فريد أفندي وجدي أتقن علوم البشر كلها، وإن لم يتلق علوم

الدين ولا طالع جميع علومه، ولم يتلق من علوم الدنيا ما يؤهله لشهادة البكلوريا.

فهل في استطاعته أن يجمعها كلها في مجلد واحد مع الخرط والصور أو بدونها.

أليس إذا قيل: إن هذا من المحال الذي لا تتعلق قدرة الله به، يكون القول معقولا.

ظهر الكتاب فإذا في مقدمته أنه يحتوي تلك العلوم والفنون كلها. ولكنه لم

يذكر الصور والخرط. ولكنك تراجع أهم مسائل هذه العلوم فلا تجدها بالطبع، وما

عساك تجده منها فكثير الخطأ قليل الفائدة، حتى قال أحد العلماء عندما اطلع عليه:

إن هذا الكتاب سيقضي على هذا الرجل، ويذهب بغرور المغترين به. وكان

يسهل عليه أن يغير تلك المقدمة التي يكذبها الكتاب في مجموع مواده، ويعتذر عن

وعوده في الجرائد. وإننا نورد لك بعض الأمثلة على تكذيب الكتاب لها، ثم نبين

وجه تمثيل هذا الكتاب بالمدرسة العالية، ووجه كون الانتقاد عليهما واجب مفيد

لفريد أفندي وللأمة، وليس من المسائل الشخصية أو الجزئية.

جعل فريد أفندي أنواع علوم دائرة معارفه عشرة قال:

(أولا) العلوم الدينية: كعلم التوحيد مما يجب أن يعلمه كل إنسان في حق

الله - تعالى - وحق الرسل من عقائد أهل السنة. وفي هذا القسم أسماء

الرسل وتواريخهم الصحيحة، وتراجم الصوفية واصطلاحاتهم، وفيه تفصيل

شاف لجميع مذاهب المعتزلة والمتكلمين، وسائر العقائد التي ظهر بها

فلاسفة المسلمين في عصر المدنية العربية. وفيه تنبيه على البدع التي طرأت

على المسلمين، وتوجيه الأفكار للتوقي منها. وفيه كل المسائل الفقهية التي يحتاج

إليها كل مكلف تفصيلا: كمسائل الطهارة والوضوء والاغتسال، والصلاة والصيام

والحج، وجميع ما يحتاج إليه الإنسان، بحيث يستغني به عن السؤال. ولم

نقتصر على مذهب واحد، بل جئنا فيه بالمذاهب الأربعة؛ ليأخذ منه كل أحد ما

يوافق طريقة إمامه. اه هذا النوع.

أقول: إنه جعل العلوم الدينية عدة أنواع، ووعد بما سمعت في كل نوع،

ولم يف به، وكيف يفي به وهو لا يعرفه؟ وإليك الأمثلة:

(1) أهم مسائل علم التوحيد الإلهية؛ مسألة وحدانية الله - تعالى -

التي جعلت كلمة التوحيد عنوانا على الإسلام لأجلها، ومسألة صفات الله - تعالى -

التي يثبتها السلف دون المعتزلة ومن على شاكلتهم، وهو لم يبينهما بل لم يذكرهما

في موادهما كما وعد، ومسألة القدر وقد ذكرها، ولم يبين معناها، بل اعترف بالعجز

عن بيانها.

(2) أهم مسائل علم التوحيد في النبوات مسائل الوحي، وتكليم الله

الأنبياء وعصمة الرسل، والتبليغ والمتشابهات في القرآن، ولم يشرح شيئا منها.

ولم يذكر أسماء الرسل المذكورين في القرآن الذين ذكروا في كتب العقائد أنه يجب

الإيمان بهم تفصيلا، حتى إنه ذكر داود، ولم يذكر سليمان - عليهما السلام -،

والنصارى لا يقولون بنبوته، ولم يبين تواريخهم الصحيحة كما وعد. بل اكتفى

في موسى - عليه السلام - وهو أكثرهم ذكرا في القرآن وأوسعهم تاريخا، بقوله:

(هو رسول كريم أرسله الله إلى بني إسرائيل؛ لإنجائهم من ظلم فرعون مصر أحد

خلفاء منفتاح من ملوك العائلة التاسعة عشر (كذا) المصرية قبل المسيح بنحو ألف

عام) ولم يذكر أنه أرسل إلى فرعون وملإه أيضا، وإن كان ذلك صريحا في القرآن.

وفي يعقوب عليه السلام بقوله: (نبي من أنبياء بني إسرائيل هو أبو يوسف عليه

السلام) ولم يذكر أنه رسول. وفي يوسف عليه السلام بقوله: (هو ابن يعقوب

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٩٢