تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفضيحة، فلا يغرنك اعتقادك بجهل الأمة التي قلت بمروقها من الدين، وبعدم

استعدادها للحكم النيابي، فتظن أنك تعبث بها كما تشاء لا سيما إذا وازرك اللواء،

فإن الأمة صارت تميز بين النافع والضار أكثر مما تظن ولذلك كانت مجلات أكثر

السوريين تفوق مجلتك انتشارا، لم يصدها عن ذلك هذيان اللواء بالعصبية الجاهلية؛

لأن العلم لا وطنية فيه، فما بالك بالدين؟ ثم أتكلم في المقصد.

مدرسة العلوم العالية

قال بعض المعتدلين: إن كل ما انتقد به المنارعلى فريد أفندي صواب، ولا

مندوحة عنه إلا تلك الكلمة في تصغير شأن مدرسته، فإنها ليست جوهرية،

ولولاها لم يكن له في الرد على صاحب المنار كلمة تسمع. ومن نظر إلى المسألة

في ذاتها كان له أن يقول ذلك؛ إذ ليست إلا أن امرءا يكبر عمله الصغير؛ ليعظم

في أعين الناس، فيقبل عليه قوم، ويساعده آخرون؛ ولذلك قال بعض الناس، بل

نقلوا عنه: إنه ما ادعى إنشاء مدرسة عالية إسلامية تدرس فيها جميع العلوم العالية

مع تطبيقها على الدين؛ إلا لأجل تحويل أريحية الأغنياء عن الجامعة المصرية إليه

هو؛ لأن مدرسته تحتوي (بحسب دعواه) على جميع العلوم التي تنشأ الجامعة

لأجلها، وتزيد عليها علوم الدين. فإذا حولت إليها التبرعات والأوقاف، كانت

أولى بها وأجدر.

ويقال: إنه تعجب بعد أن مر على كتابة تلك المقالة بشأن المدرسة العليا في

المؤيد واللواء شهران، ولم تنهل عليه الجنيهات، وتكتب لمدرسته الوقفيات،

ولعله هذا هو سبب قوله في الجزء الأخير من مجلته: إن الأمة المصرية غير

مستعدة لأن تحكم نفسها بحكومة نيابية.

مهلا أيها المعتدلون، لا تعجلوا بالاعتراض على هذه الجملة، ولا على أصل

المسألة، حتى أبين لكم المراد منها، وهو ليس بيان الخطأ في تسمية حجرة من

مدرسة ابتدائية مدرسة عالية كما ادعى، فقام يشبه نفسه بفلاسفة اليونان، ومدرسته

بالأماكن التي كانوا يلقون فيها فلسفتهم؛ إذ لو كان هذا هو المراد لاعترفت بالخطأ،

وإن كنت مصيبا يمكنني أن أقول: إنه يتكلم بعرف هذا العصر، لا بعرف تلك

العصور.

والمدارس العالية في هذا العصر مباني عظيمة فيها كثير من الآلات والآثار،

والتحف المعدنية والنباتية والحيوانية التي يحتاج إليها في تدريس تلك العلوم، ولها

كثير من المدرسين؛ إذ يستحيل أن يتقن العلوم العالية كلها، ويستطيع تدريسها رجل

واحد من المتخرجين في تلك المدارس، بل فريد أفندي وجدي الذي لم يبرع في العلوم

الأولى فيرتقي إلى الوسطى، كما يدل على ذلك سقوطه في امتحان شهادة البكلوريا

التي ينالها الجم الغفير من الأحداث كل سنة.

ليس هذا ما نعني، فإنه من الأمور الجزئية، وإنما نعني أمرا كليا أومأنا إليه

في الجزء الماضي إيماء ولم نشرحه؛ لأن في الشرح جرحا، واللبيب تكفيه

الإشارة، وإذا كان لبيبنا لم يكتف بالإشارة، فها نحن أولاء نشرح ذلك.

المسألة ذات بال من جهة فريد أفندي نفسه ومن جهة الأمة. أما من جهته

نفسه؛ فإن ما ادعاه من إنشاء مدرسة عالية، ليس هفوة عارضة لا يترتب عليها

شيء فيغضى عنها، وإنما ذلك شيء صار خلقا له وملكة فيه، وقد أضر به ذلك

الخلق كما أضر بالناس، ونعبر عن هذا الخلق بالتشيع بما لم يعط، الذي قال فيه

الرسول صلى الله عليه وسلم: (المتشيع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) . متفق

من حديث الشيخين.

كتابه كنز

العلوم واللغة

مثال ذلك كتابه (كنز العلوم واللغة) . كتب في بعض الجرائد اليومية أنه

شرع في تأليف دائرة معارف كاملة في مجلد واحد، يجمع فيها خلاصة ما انتهى

إليه البشر في جميع العلوم والمعارف اللغوية والدينية والعربية بجميع فنونها،

والفلكية والطبيعية والكيماوية، والتشريحية والطبية والصحية، والمعدنية والنباتية

والحيوانية، والجغرافية والعمرانية والتاريخية والرياضية ... إلخ. وأتذكر أنه وعد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٩١