تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غلوا كبيرا، وحكمت بمروقهم مع معظم الأمة من الإسلام، وخصصت منهم أهل

الأزهر بأشد الطعن لا سيما في مقالاتك التي نشرت في المنبر، وادعيت أنه لم يبق

أحد من أصحاب العمائم يرجع إليه في فهم الدين، وإنما انحصر علم الدين في بعض

أصحاب الطرابيش، وإنما تعني طربوشك وحده فإنه يرجح بعدة طرابيش، كما رجح

بالعمائم كلها. فكيف جاز لك هذا الغلو، ولم يجز لي أن أبين الحقائق بالاعتدال؟ لعل

السبب في ذلك؛ أنك ولدت في مصر وإن لم تكن مصري الأصل، وأنا لم أتشرف

بمثل هذا المولد.

إن هذه الأمة أمة واحدة، كما جاء في الكتاب العزيز. فكيف يفرقها فريد

أفندي تبعا لصاحب جريدة اللواء، ويجعلها أمما وتلك هي العصبية الجاهلية التي

أزالها الإسلام، وجعل المؤمنين أخوة أينما كانوا ومن أي جنس كانوا. وقد قال

صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على

عصبية، وليس منا من مات على عصبية) رواه أبو داود من حديث جبير بن

مطعم.

وقال صلى الله عليه وسلم: (من قتل تحت راية عمية، ينصر العصبية

ويغضب للعصبية، فقتلته جاهلية) . رواه مسلم والترمذي عن جندب، وفي حديث

البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر - وناهيك بمكانه من الدين -:

(إنك امرؤ فيك جاهلية) . أتدري لماذا قال له ذلك؟ قاله لما عير بلالا الحبشي بأمه

الحبشية، أتدري ماذا فعل أبو ذر عند ذلك؟ إنه وضع خده على التراب، وآلى أن لا

يرفعه، حتى يطأ عليه بلال. فهل كنت وأنا عربي من سلالة الرسول أبعد عن

مسلمي مصر في الجنس من بلال الحبشي عن أبي ذر؟ فإذا كان صاحب ورقة اللواء

يدعو إلى العصبية الجنسية؛ لأنه سياسي لا يبالي وافق الإسلام في سياسته أم خالفه،

فأنت يا فريد أفندي لست سياسيا، بل تتنفج دائما بالدعوة إلى الإسلام. فما معنى

إخراجك إياي من هذه الأمة، وتحريض من فتنتهم جريدة اللواء بالعصبية الجاهلية

عن هدي الإسلام، وإخوة الإيمان علي، وتبغيضي إليهم؛ بإيهامك إياهم أنني أحتقر

المصريين كافة ولا أحب لهم الخير؛ لأنني لست منهم.

إن أمثال هؤلاء المفتونين لا قيمة لرضاهم ولا لسخطهم، فحسبي أن

المؤمنين الصادقين من المصريين، يروني أخا لهم وأراهم إخوة لي، وإن زعمت

أنهم قليل؛ لتصريحك بأن أكثر الأمة عوامها، وخواصها ليسوا على الإسلام

الصحيح، فإن هذا القليل عندي خير من كثير أهل العصبية الجاهلية. على أنني

أحب الخير لجميع الناس من كل الشعوب والأجناس، ويعرف لي هذا كثير من

الموافقين والمخالفين.

ظن فريد أفندي وجدي كما يظن صاحب جريدة اللواء أن العصبية الجاهلية

أصبحت سلاحا قاتلا في أيديهما، لا يجردانها على (دخيل) إلا ويجدلانه، حتى

لا يرتفع له رأس، ولا تقوم له قائمة (ياللغرور) . وظن فريد أفندي وجدي أنني

لشدة رعبي من هذا السلاح، لم أرد على إبراهيم بك المويلحي إذ تحرش بي من

نحو سنتين ونصف، فكتب في المؤيد يقول: إنني جئت مصر فقيرا، ثم بعد أن

صرت غنيا طعنت على أهلها. ونسي فريد أفندي أو تناسى أن المسألة كانت أكبر

من ذلك، وأن المويلحي لم يكن هو الذي طعن في وحده، بل انبرى لي يومئذ

المؤيد واللواء والجوائب وجرائد أخرى، ولم أكن أنا المقصود وحدي يومئذ بحملة

هذه الجرائد، ومن كتب فيها، وإنما كان الغرض الأول الذي تسدد سهامها إليه هو

المرحوم الأستاذ الإمام فخر المصريين، وأعظم نابغ في مصر.

وليعلم فريد أفندي أن تلك الغارة الشعواء التي يعجز هو عن عشر معشارها، ما

زادت المنار إلا انتشارا، ولعله لا يجهل مصدرها العالي، وما أنفق فيها من بدر

الذهب. فاكفف يا أخي غربك، واستوقف سربك، واعلم أن الأمر ليس في يديك،

وأن سهمك ربما عاد عليك، فهذه نصيحتي إليك، ثم إلى سائر المغرورين، الذين

يفرقون بالجنسية جماعة هذا الدين، ولولا هذه النصيحة، لما ذكرت عنك هذه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٩٠