تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنما صارت متبعة بعدهم بعدة قرون.

وحين كان المجتهدون كثيرين، لم تكن الأمة مصابة بداء الافتراق العضال

الذي فت في عضدها وذهب بمنتها، ولم تنفق إذ ذاك سوق التضليلات والتجهيلات

كما نفقت بعد إغلاق المسلمين في وجوههم أبواب الاجتهاد بأيديهم. العلم نقطة

كثرها الجاهلون. وأستغفر الله إن طغى القلم، أو زلت القدم، والعصمة لله المتعال وما بعد الحق إلا الضلال.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الانتقاد على محمد فريد أفندي وجدي

(2)

وصف بعض المحررين في إحدى الجرائد اليومية فريد أفندي وجدي بأنه من

عشاق الانتقاد عليه، وكنا نحن على علم يقيني بأنه يمقت الانتقاد أشد المقت؛ لأنه

من أصحاب الدعوى العريضة والغرور، ولأنه لما طبع كتاب (تطبيق الديانة

الإسلامية على نواميس المدنية) ، وأهداه إلينا تصفحنا بعض صفحاته، فألفينا فيه من

الخطأ في المسائل الدينية والدعوى ما لا يجوز السكوت عليه، وكنا قد عرفنا الرجل

معرفة شخصية وأحسنا الظن به؛ لما حدثنا به عنه بعض محبيه من انقطاعه

للمطالعة والكتابة، فكرهنا أن ننتقد الكتاب بدون استشارته واستئذانه، فكتبنا

إليه - وكان في دمياط - نتلطف في الاستئذان، ونلبسه من حلل الثناء ما يكون به

حسنا جميلا، فكتب إلينا راجيا أن لا ننتقد الكتاب، وقال: إن الانتقاد يصرف

الناس عن المنتقد؛ لأن الأمة لم تتعود ذلك أو ما هذا معناه.

فاكتفينا يومئذ بإطرائه وإطراء كتابه؛ تنشيطا له. إلا أننا انتقدنا عليه شيئا

واحدا؛ وهو دعوى أن أحدا لم يقم بالبحث عن أسباب ما حل بالمسلمين؛ لما فيه

من هضم المنار [1] .

لما كتب ذلك الكاتب في تلك الجريدة ما كتب، قلنا: لعل الزمان غير منه

فحبب إليه الانتقاد، أو لعله صار يحسن الظن بالأمة، فلا يخاف أن تصرفها كلمة

نقد عن الشيء الذي تنتقده إذا كان حسنا في نفسه. فكتبنا في جزء الشهر الماضي ما

كتبنا، ولم يكد ينتشر الجزء، حتى بادر فريد أفندي وجدي إلى كتابة أربع

مقالات في جريدة اللواء؛ تمثل كل كلمة منها للقارئ اضطراب مجموعه العصبي

- وهو عصبي المزاج - وبلوغ الغيظ والغضب والامتعاض منه منتهى ما تبلغ من

أمثاله العصبيين. على أنه يقرر ويكرر في كتاباته ما اقتبسه من المنار أو غيره من

قول الإمام مالك: كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر.

(يشير إلى قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم) ، بل يصرح بأن هذا أصل من

أصول الإسلام العمرانية التي يفضل بها غيره.

فلماذا عظم عليه الانتقاد عليه وأخذته العزة بالإثم، حتى استفرغ كل هاتيك

الغميزة والإزراء بالمنتقد، والتعظيم والتبجيل لنفسه، وكلاهما منكر عظيم؟

ذكرنا في نبذة الجزء الماضي: أن الأستاذ المرحوم - رحمه الله تعالى - قال

في وصف ما يكتب فريد أفندي وجدي: إنه مقدمات ووعود. وكان يرجى أن تفيده

هذه الموعظة الدرية من إمام العصر، وحكيم الشرق ومفخر مصر، فيترك تلك

المقدمات والوعود التي كلها دعاوى وتبجح، ويتكلم في المقاصد من غير أن يدخل

نفسه فيها. ولكنه كان بعد العلم بها أوغل في ذلك منه قبله، وزاد على الوعود

فتوعدنا إذا عدنا للانتقاد عليه بما يأتي:

قال في آخر المقالة الأولى بعد دعوى أن الناس يعهدون منه إلى اليوم دفع

السيئة بالحسنة، ما نصه: (فإن لم يعد الشيخ رشيد رضا إلى صوابه، ويحترم

الأمة التي يعيش بين أظهرها، ويعرف مقامه من العلم والعمل، اضطررنا لتعقب

سقطاته في مجلة الحياة، وشننا عليه غارة لا يقيم بعدها رأسا، فيأخذ عنا درسا

ينفعه هو وأمثاله؛ ممن يريدون أن يعيشوا بين ظهراني هذه الأمة باحتقارها،

وتسفيه أحلام قادتها) .

مهلا يا أخي فريد أفندي، ولا تبطش البطشة الكبرى، فإني معذور بما كتبت؛

لأنه اعتقادي، وأنت تدعي احترام حرية الاعتقاد، حتى إنك تدعي تصحيح

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٨٨