تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ (النساء: 114) وهذا

الأصل العظيم؛ وهو الاعتصام بحبل الله جميعا وأن لا يتفرق هو من أعظم

أصول الإسلام ومما عظمت وصية الله - تعالى - به في كتابه.

ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم، ومما عظمت به وصية

النبي - صلى الله عليه وسلم - في مواطن عامة وخاصة، مثل قوله: (عليكم

بالجماعة فإن يد الله على الجماعة) ، وقوله: (فإن الشيطان مع الواحد وهو من

الاثنين أبعد) ، وقوله: (من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه [1] فإن

من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) ، وقوله: ألا أنبئكم

بأفضل من درجة الصلاة، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن

المنكر؟) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (صلاح ذات البين، فإن فساد ذات

البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر. ولكن تحلق الدين) وقوله: (من جاءكم

وأمركم على رجل واحد منكم يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنا

من كان) ، وقوله: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) ،

وقوله: (ستفترق هذه الأمة على اثنتين وسبعين فرقة: منها واحدة ناجية، واثنتان

وسبعون في النار، قيل: ومن الفرقة الناجية؟ قال: هي الجماعة، يد الله على

الجماعة) ، وباب الفساد الذي وقع في هذه الأمة؛ بل وفي غيرها هو التفرق

والاختلاف؛ فإنه وقع بين أمرائها وعلمائها من ملوكها ومشايخها وغيرهم، من ذلك

ما الله به عليم، وإن كان بعض ذلك مغفورا لصاحبه؛ لاجتهاده الذي يغفر فيه خطأه

أو لحسناته الماحية أو توبته أو لغير ذلك. لكن يعلم أن رعايته من أعظم

أصول الإسلام، ولهذا كان امتياز أهل النجاة عن أهل العذاب من هذه الأمة بالسنة

والجماعة. ويذكرون في كثير من السنن والآثار في ذلك ما يطول ذكره، وكان

الأصل الثالث بعد الكتاب والسنة الذي يجب تقديم العمل به هو الإجماع، فإن الله

لا يجمع هذه الأمة على ضلالة.

(النوع الخامس) هو شك كثير من الناس، وطعنهم في كثير مما أهل السنة

والجماعة عليه متفقون، بل وفي بعض ما عليه أهل الإسلام، بل وبعض ما عليه

سائر أهل الملل متفقون؛ وذلك من جهة نقلهم وروايتهم تارة، ومن جهة تنازعهم

ورأيهم أخرى، أما الأول فقد علم الله الذكر الذي أنزله على رسوله، وأمر أزواج

نبيه بذكره، حيث يقول: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ (الأحزاب: 34) حفظه، من أن يقع فيه من التحريف ما وقع فيما أنزل قبله، كما

عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، فعصم حروف التنزيل أن يغير، وحفظ

تأويله أن يضل فيه أهل الهدى المتمسكون بالسنة والجماعة، وحفظ أيضا سنة

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ما ليس فيها من الكذب: عمدا أو خطأ بما

أقامه من علماء أهل الحديث وحفاظه الذين فحصوا عنها، وعن نقلتها ورواتها،

وعلموا من ذلك ما لا يعلم غيرهم، حتى صاروا مجتمعين على ما تلقوه بالقبول منها

إجماعا معصوما من الخطأ؛ لأسباب يطول وصفها في هذا الموضع، وعلموا هم

خصوصا وسائر علماء الأمة، بل وعامتها عموما ما صانوا به الدين عن أن يزاد

فيه أو ينقص منه، مثلما علموا أنه لم يفرض عليهم في اليوم والليلة إلا الصلوات

الخمس، وأن مقادير ركعاتها ما بين الثنائي والثلاثي والرباعي، وأنه لم يفرض

عليهم من الصوم إلا شهر رمضان، ومن الحج إلا حج البيت العتيق، ومن الزكاة إلا

فرائضها المعروفة إلى نحو ذلك، وعلموا كذب أهل الجهل والضلالة فيما قد يأثرونه

عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلمهم بكذب من يزعم من الرافضة: أن النبي -

صلى الله عليه وسلم - نص على علي بالخلافة نصا قاطعا جليا، وزعم آخرين أنه

نص على العباس، وعلموا أكاذيب الرافضة والناصبة التي يأثرونها في مثل

الغزوات التي يروونها عن علي، وليس لها حقيقة كما يرويها المكدون الطرقية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١١٠