تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مثل: أكاذيبهم الزائدة في سيرة عنتر، والبطال، حيث علموا مجموع

مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن القتال فيها كان في تسعة مغاز فقط،

ولم يكن عدة المسلمين ولا العدو في شيء من مغازي القتال عشرين ألفا، ومثل

الفضائل المروية ليزيد بن معاوية ونحوه، والأحاديث التي يرويها كثير من

الكرامية في الإرجاء ونحوه.

والأحاديث التي يرويها كثير من النساك في صلوات أيام الأسبوع، وفي

صلوات أيام الأشهر الثلاثة والأحاديث التي يروونها في استماع النبي - صلى الله

عليه وسلم - هو وأصحابه، وتواجده وسقوط البردة عن ردائه، وتمزيقه الثوب،

وأخذ جبريل لبعضه وصعوده به إلى السماء، وقتال أهل الصفة مع الكفار،

واستماعهم لمناجاته ليلة الإسراء. والأحاديث المأثورة في نزول الرب إلى

الأرض يوم عرفة، وصبيحة مزدلفة. ورؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - له في

الأرض بعين رأسه.

وأمثال هذه الأحاديث المكذوبة التي يطول وصفها، فإن المكذوب من ذلك لا

يحصيه أحد إلا الله - تعالى -؛ لأن الكذب يحدث شيئا فشيئا، ليس بمنزلة الصدق

الموروث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي لا يحدث بعده، وإنما يكون

موجودا في زمنه صلى الله عليه وسلم؛ وهو محفوظ محروس بنقل خلفاء الرسول

وورثة الأنبياء، وكان من الدلائل على انتفاء هذه الأمور المكذوبة وغيرها وجوه:

(أحدها) أن ما توفرت همم الخلق، ودواعيهم على نقله وإشاعته يمتنع

في العادة كتمانه، فانفراد العدد القليل به يدل على كذبهم، كما يعلم كذب من

خرج يوم الجمعة، وأخبر بحادثة كبيرة في الجامع، مثل: سقوط الخطيب، وقتله،

وإمساك أقوام في المسجد، إذا لم يخبر بذلك إلا الواحد والاثنان، ويعلم كذب من

أخبر أن في الطرقات بلادا عظيمة، وأمما كثيرين، ولم يخبر بذلك السيارة، وإنما

انفرد به الواحد والاثنان، ويعلم كذب من أخبر بمعادن ذهب وفضة متيسرة لمن

أرادها، بمكان يعلمه الناس، ولم يخبر بذلك إلا الواحد والاثنان، وأمثال ذلك كثيرة

فباعتبار العقل وقياسه وضربه الأمثال، يعلم كذب ما ينقل من الأمور التي مضت

سنة الله بظهورها وانتشارها، لو كانت موجودة، كما يعلم أيضا صدق ما مضت

سنة الله في عباده أنهم لا يتواطؤون فيه على الكذب من الأمور المتواترة

والمنقولات المستفيضة، فإن الله جبل جماهير الأمم على الصدق والبيان في مثل

هذه الأمور، دون الكذب والكتمان. كما جبلهم على الأكل والشرب واللباس، فالنفس

بطبعها تختار الصدق؛ إذا لم يكن لها في الكذب غرض راجح، وتختار الأخبار

بهذه الأمور العظيمة دون كتمانها، والناس يستخبر بعضهم بعضا، ويميلون إلى

الاستخبار والاستفهام مما يقع، وكل شخص له من يؤثر أن يصدقه، ويبين له دون

أن يكذبه ويكتمه، والكذب والكتمان يقع كثيرا في بني آدم في قضايا كثيرة، لا

تنضبط كما يقع منهم: الزنا، وقتل النفوس، والموت جوعا، وعريا، ونحو ذلك.

لكن ليس الغالب على أنسابهم إلا الصحة. وعلى أنفسهم إلا البقاء. فالغرض

هنا أن الأمور المتواترة، يعلم أنهم لم يتواطؤوا فيها على الكذب والأخبار الشاذة

يعلم أنهم لم يتواطؤوا فيها على الكتمان.

(الوجه الثاني) أن دين الأمة يوجب عليهم: تبليغ الدين وإظهاره وبيانه.

ويحرم عليهم كتمانه، ويوجب عليهم الصدق، ويحرم عليهم الكذب، فتواطؤهم

على كتمان ما يجب بيانه كتواطئهم على الكذب وكلاهما من أقبح الأمورالتي تحرم

في دين الأمة، وذلك باعث موجب الصدق والبيان.

(الوجه الثالث) أنه قد علم من عدل سلف الأمة ودينها، وعظيم رغبتها في

تبليغ الدين، وإظهاره وعظيم مجانبتها للكذب على الرسول - صلى الله عليه

وسلم - ما يوجب أعظم العلوم الضرورية؛ بأنهم لم يكذبوا فيما نقلوه عنه، ولا

كتموا ما أمرهم بتبليغه، وهذه العادة الحاجية الخاصة الدينية لهم، غير العادة العامة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١١١