ورفع الأيدي فيها، ووضع الأكف فوق الأكف. ومثل: التمتع والإفراد والقران في
الحج، ونحو ذلك. فإن التنازع في هذه العبادات الظاهرة، والشعائر أوجب أنواعا
من الفساد الذي يكرهه الله ورسوله وعباده المؤمنون.
(أحدها) جهل كثير من الناس أو أكثرهم بالأمر المشروع المسنون الذي
يحبه الله ورسوله؛ والذي سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته؛ والذي
أمرهم باتباعه.
(الثاني) ظلم كثير من الأمة أو أكثرهم بعضهم لبعض، وبغيهم عليهم تارة
بنهيهم عما لم ينه الله عنه، وبغضهم على ما لم يبغضهم الله عليه، وتارة بترك ما
أوجب الله من حقوقهم وصلتهم؛ لعدم موافقتهم له على الوجه الذي يؤثرونه، حتى
يقدمون في الموالاة، والمحبة، وإعطاء الأموال، والولايات، من يكون مؤخرا عند
الله ورسوله، ويتركون من يكون مقدما عند الله ورسوله لذلك.
(الثالث) اتباع الظن وما تهوى الأنفس، حتى يصير كثير منهم مدينا باتباع
الأهواء في هذه الأمور المشروعة، وحتى يصير في كثير من المتفقهة والمتعبدة؛
من الأهواء من جنس ما في أهل الأهواء الخارجين عن السنة والجماعة كالخوارج،
والروافض، والمعتزلة، ونحوهم. وقد قال تعالى في كتابه: {ولا تتبع الهوى
فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم
الحساب} (ص: 26) وقال في كتابه: {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل
وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} (المائدة: 77)
(الرابع) التفرق والاختلاف المخالف للاجتماع والائتلاف، حتى يصير
بعضهم يبغض بعضا ويعاديه، ويحب بعضا ويواليه على غير ذات الله، وحتى
يفضي الأمر ببعضهم إلى الطعن واللعن والهمز واللمز. وببعضهم إلى الاقتتال
بالأيدي والسلاح وببعضهم إلى المهاجرة والمقاطعة، حتى لا يصلي بعضهم
خلف بعض، وهذا كله من أعظم الأمور التي حرمها الله ورسوله.
والاجتماع والائتلاف من أعظم الأمور التي أوجبها الله ورسوله قال الله -
تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم
مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم
أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم
منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون * ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير
ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين
تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم * يوم تبيض
وجوه وتسود وجوه} (آل عمران: 102-106) قال ابن عباس: تبيض وجوه
أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة.
وكثير من هؤلاء يصير من أهل البدعة؛ بخروجه عن السنة التي شرعها
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته ومن أهل الفرقة بالفرقة المخالفة للجماعة؛
التي أمر الله بها ورسوله وقال: إلى {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم
في شيء} (الأنعام: 159) ، وقال تعالى: {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من
بعد ما جاءتهم البينات} (البقرة: 213) ، وقال تعالى: {وما تفرق الذين أوتوا
الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة * وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له
الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} (البينة: 4-5) ، وقال
تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما
جاءهم العلم بغيا بينهم} (آل عمران: 19) ، وقال تعالى: {وآتيناهم بينات
من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} (الجاثية: 17) ،
وقال تعالى: ﴿فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة﴾ (يونس: 93) ، وقال تعالى: ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾ (الأنفال:1)
وقال: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ (الحجرات: 10) وقال: