﴿ أفترى على الله كذبا أم به جنة ﴾ جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه، واستدل بجعلهم إياه قسيم الافتراء غير معتقدين صدقه على أن بين الصدق والكذب واسطة، وهو كل خبر لا يكون عن بصيرة بالمخبر عنه وضعفه بين لأن الافتراء أخص من الكذب. ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة فى العذاب والضلل البعيد ﴾ رد من الله تعالى عليهم ترديدهم وإثبات لهم ما هو أفظع من القسمين، وهو الضلال البعيد عن الصواب بحيث لا يرجى الخلاص منه وما هو مؤداه من العذاب، وجعله رسيلا له في الوقوع ومقدما عليه في اللفظ للمبالغة في استحقاقهم له، والبعد في الأصل صفة الضال ووصف الضلال به على الإسناد المجازي.
34.9-15
﴿ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء ﴾ تذكير بما يعاينونه مما يدل على كمال قدرة الله وما يحتمل فيه إزاحة لاستحالتهم الإحياء حتى جعلوه افتراء وهزؤا، وتهديدا عليها والمعنى أعموا فلم ينظروا إلى ما أحاط بجوانبهم من السماء والأرض ولم يتفكروا أهم أشد خلقا، أم السماء، وإنا ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا ﴾ ، لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البينات. وقرأ حمزة والكسائي «يشإ» و «يخسف» و «يسقط» بالياء لقوله: ﴿ فمن افترى على الله ﴾. والكسائي وحده بإدغام الفاء في الباء وحفص «كسفا» بالتحريك. ﴿ إن فى ذلك ﴾ النظر والتفكر فيهما وما يدلان عليه. ﴿ لآية ﴾ لدلالة. ﴿ لكل عبد منيب ﴾ راجع إلى ربه فإنه يكون كثير التأمل في أمره.
﴿ ولقد ءاتينا داوود منا فضلا ﴾ أي على سائر الأنبياء وهو ما ذكر بعد، أو على سائر الناس فيندرج فيه النبوة والكتاب والملك والصوت الحسن. ﴿ يجبال أوبى معه ﴾ رجعي معه التسبيح أو النوحة على الذنب، وذلك إما بخلق صوت مثل صوته فيها أو بحملها إياه على التسبيح إذا تأمل ما فيها، أو سيري معه حيث سار. وقرىء «أوبي» من الأوب أي ارجعي في التسبيح كلما رجع فيه، وهو بدل من ﴿ فضلا ﴾ أو من ﴿ ءاتينا ﴾ بإضمار قولنا أو قلنا. ﴿ والطير ﴾ عطف على محل الجبال ويؤيده القراءة بالرفع عطفا على لفظها تشبيها للحركة البنائية العارضة بالحركة الإعرابية أو على ﴿ فضلا ﴾ ، أو مفعول معه ل ﴿ أوبى ﴾ وعلى هذا يجوز أن يكون الرفع بالعطف على ضميره وكان الأصل: ولقد آتينا داود منا فضلا تأويب الجبال والطير، فبدل بهذا النظم لما فيه من الفخامة والدلالة على عظم شأنه وكبرياء سلطانه، حيث جعل الجبال والطيور كالعقلاء المنقادين لأمره في نفاذ مشيئته فيها. ﴿ وألنا له الحديد ﴾ جعلناه في يده كالشمع يصرفه كيف يشاء من غير إحماء وطرق بإلانته أو بقوته.
﴿ أن اعمل ﴾ أمرناه أن اعمل ف ﴿ أن ﴾ مفسرة أو مصدرية. ﴿ سبغت ﴾ دروعا واسعات، وقرىء «صابغات» وهو أول من اتخذها. ﴿ وقدر فى السرد ﴾ وقدر في نسجها بحيث يتناسب حلقها، أو قدر مساميرها فلا تجعلها دقاقا فتقلق ولا غلاظا فتنخرق. ورد بأن دروعه لم تكن مسمرة ويؤيده قوله: ﴿ وألنا له الحديد ﴾. ﴿ واعملوا صلحا ﴾ الضمير فيه لداود وأهله. ﴿ إنى بما تعملون بصير ﴾ فأجازيكم عليه.
﴿ ولسليمن الريح ﴾ أي وسخرنا له الريح، وقرىء ﴿ الريح ﴾ بالرفع أي ولسليمان الريح مسخرة وقرىء «الرياح». ﴿ غدوها شهر ورواحها شهر ﴾ جريها بالغداة مسيرة شهر وبالعشي كذلك، وقرىء «غدوتها» «وروحتها».
﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ النحاس المذاب أساله له من معدنه فنبع منه نبوع الماء من الينبوع، ولذلك سماه عينا وكان ذلك باليمن. ﴿ ومن الجن من يعمل بين يديه ﴾ عطف على ﴿ الريح ﴾ ﴿ ومن الجن ﴾ حال مقدمة، أو جملة ﴿ من ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿ بإذن ربه ﴾ بأمره. ﴿ ومن يزغ منهم ﴾ ومن يعدل منهم. ﴿ عن أمرنا ﴾ عما أمرناه من طاعة سليمان، وقرىء ﴿ يزغ ﴾ من أزاغه. ﴿ نذقه من عذاب السعير ﴾ عذاب الآخرة.