﴿ ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ﴾ يسكتون متحرين آيسين يقال ناظرته فأبلس إذا سكت وآيس من أن يحتج ومنه الناقة المبلاس التي لا ترغو، وقرىء بفتح اللام من أبلسه إذا أسكته.
﴿ ولم يكن لهم من شركائهم ﴾ ممن أشركوهم بالله. ﴿ شفعاء ﴾ يجيرونهم من عذاب الله، ومجيئه بلفظ الماضي لتحققه. ﴿ وكانوا بشركائهم كفرين ﴾ يكفرون بآلهتهم حين يئسوا منهم، وقيل كانوا في الدنيا كافرين بسببهم، وكتب في المصحف «شفعواء« و
علموا بنى إسرءيل
[الشعراء: 197] بالواو وكذا ﴿ السوأى ﴾ بالألف إثباتا للهمزة على صورة الحرف الذي منه حركتها.
30.14-25
﴿ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ﴾ أي المؤمنون والكافرون لقوله تعالى:
﴿ فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فهم فى روضة ﴾ أرض ذات أزهار وأنهار. ﴿ يحبرون ﴾ يسرون سرورا تهلك له وجوههم.
﴿ وأما الذين كفروا وكذبوا بئايتنا ولقاء الآخرة فأولئك فى العذاب محضرون ﴾ مدخلون لا يغيبون عنه.
﴿ فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد فى السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون ﴾ إخبار في معنى الأمر بتنزيه الله تعالى والثناء عليه في هذه الأوقات التي تظهر فيها قدرته وتتجدد فيها نعمته، أو دلالة على أن ما يحدث فيها من الشواهد الناطقة بتنزهه واستحقاقه الحمد ممن له تمييز من أهل السموات والأرض، وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح لأن آثار القدرة والعظمة فيهما أظهر، وتخصيص الحمد بالعشي الذي هو آخر النهار من عشى العين إذا نقص نورها والظهيرة التي هي وسطه لأن تجدد النعم فيهما أكثر، ويجوز أن يكون ﴿ عشيا ﴾ معطوفا على ﴿ الله حين تمسون ﴾ وقوله ﴿ وله الحمد فى السموات والأرض ﴾ اعتراضا. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن الآية جامعة للصلوات الخمس ﴿ تمسون ﴾ صلاتا المغرب والعشاء، و ﴿ تصبحون ﴾ صلاة الفجر، و ﴿ عشيا ﴾ صلاة العصر، و ﴿ تظهرون ﴾ صلاة الظهر. ولذلك زعم الحسن أنها مدنية لأنه كان يقول كان الواجب بمكة ركعتين في أي وقت اتفقتا وإنما فرضه الخمس بالمدينة، والأكثر على أنها فرضت بمكة. وعنه عليه الصلاة والسلام
" من سره أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل فسبحان الله حين تمسون الآية "
وعنه عليه الصلاة والسلام
" من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ما فاته في ليلته، ومن قاله حين يمسي أدرك ما فاته في يومه "
وقرىء «حينا تمسون» و «حينا تصبحون» أي تمسون فيه وتصبحون فيه.
﴿ يخرج الحى من الميت ﴾ كالإنسان من النطفة والطائر من البيضة. ﴿ ويخرج الميت من الحى ﴾ كالنطفة والبيضة، أو يعقب الحياة الموت وبالعكس. ﴿ ويحيي الأرض ﴾ بالنبات. ﴿ بعد موتها ﴾ يبسها. ﴿ وكذلك ﴾ ومثل ذلك الإخراج. ﴿ تخرجون ﴾ من قبوركم فإنه أيضا تعقيب الحياة الموت، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء.
﴿ ومن ءايته أن خلقكم من تراب ﴾ أي في أصل الإنشاء لأنه خلق أصلهم منه. ﴿ ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ﴾ ثم فاجأتم وقت كونكم بشرا منتشرين في الأرض.
﴿ ومن ءايته أن خلق لكم من أنفسكم أزوجا ﴾ لأن حواء خلقت من ضلع آدم وسائر النساء خلقن من نطف الرجال، أو لأنهن من جنسهم لا من جنس آخر. ﴿ لتسكنوا إليها ﴾ لتميلوا إليها وتألفوا بها فإن الجنسية علة للضم والاختلاف سبب للتنافر. ﴿ وجعل بينكم ﴾ أي بين الرجال والنساء، أو بين أفراد الجنس.
﴿ مودة ورحمة ﴾ بواسطة الزواج حال الشبق وغيرها بخلاف سائر الحيوانات نظما لأمر المعاش، أو بأن تعيش الإنسان متوقف على التعارف والتعاون المحوج إلى التواد والتراحم، وقيل المودة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد كقوله تعالى:
ورحمة منا
[مريم: 21] ﴿ إن فى ذلك لآيت لقوم يتفكرون ﴾ فيعلمون ما في ذلك من الحكم.
﴿ ومن ءايته خلق السموات والأرض واختلف ألسنتكم ﴾ لغاتكم بأن علم كل صنف لغته أو ألهمه وضعها وأقدره عليها، أو أجناس نطفكم وأشكاله فإنك لا تكاد تسمع منطقين متساويين في الكيفية. ﴿ وألونكم ﴾ بياض الجلد وسواده، أو تخطيطات الأعضاء وهيئاتها وألوانها، وحلاها بحيث وقع التمايز والتعارف حتى أن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما والأمور الملاقية لهما في التخليق يختلفان في شيء من ذلك لا محالة. ﴿ إن فى ذلك لآيت للعلمين ﴾ لا تكاد تخفى على عاقل من ملك أو إنس أو جن، وقرأ حفص بكسر اللام ويؤيد قوله: