تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ يموسى إنه أنا الله ﴾ الهاء للشأن و ﴿ أنا الله ﴾ جملة مفسرة له، أو للمتكلم و ﴿ أنا ﴾ خبره و ﴿ الله ﴾ بيان له. ﴿ العزيز الحكيم ﴾ صفتان لله ممهدتان لما أراد أن يظهره، يريد أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام كقلب العصا حية الفاعل كل ما أفعله بحكمة وتدبير.

﴿ وألق عصاك ﴾ عطف على ﴿ بورك ﴾ أي نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك، ويدل عليه قوله ﴿ وأن ألق عصاك ﴾ بعد قوله ﴿ أن يا موسى إني أنا الله ﴾ بتكرير أن. ﴿ فلما رءاها تهتز ﴾ تتحرك باضطراب. ﴿ كأنها جان ﴾ حية خفيفة سريعة، وقرىء «جأن» على لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين. ﴿ ولى مدبرا ولم يعقب ﴾ ولم يرجع من عقب المقاتل إذا كر بعد الفرار، وإنما رعب لظنه أن ذلك الأمر أريد به ويدل عليه قوله: ﴿ يا موسى لا تخف ﴾ أي من غيري ثقة بي أو مطلقا لقوله: ﴿ إنى لا يخاف لدى المرسلون ﴾ أي حين يوحى إليهم من فرط الاستغراق فإنهم أخوف الناس أي من الله تعالى، أو لا يكون لهم عندي سوء عاقبة فيخافون منه.

27.11-20

﴿ إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم ﴾ استثناء منقطع استدرك به ما يختلج في الصدر من نفي الخوف عن كلهم، وفيهم من فرطت منه صغيرة فإنهم وإن فعلوها أتبعوا فعلها ما يبطلها ويستحقون به من الله مغفرة ورحمة فإنه لا يخاف أيضا، وقصد تعريض موسى بوكزه القبطي. وقيل متصل وثم بدل مستأنف معطوف على محذوف أي عن ظلم ثم بدل ذنبه بالتوبة.

﴿ وأدخل يدك في جيبك ﴾ لأنه كان بمدرعة صوف لا كم لها. وقيل الجيب القميص لأنه يجاب أي يقطع. ﴿ تخرج بيضاء من غير سوء ﴾ آفة كبرص. ﴿ في تسع ءايات ﴾ في جملتها أو معها على أن التسع هي، الفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزراعهم ولمن عد العصا واليد من التسع أن يعد الأخيرين واحدا ولا يعد الفلق لأنه لم يبعث به إلى فرعون. أو اذهب في تسع آيات على أنه استئناف بالإرسال فيتعلق به. ﴿ إلى فرعون وقومه ﴾ وعلى الأولين يتعلق بنحو مبعوثا أو مرسلا. ﴿ إنهم كانوا قوما فسقين ﴾ تعليل للإرسال.

﴿ فلما جاءتهم ءايتنا ﴾ بأن جاءهم موسى بها. ﴿ مبصرة ﴾ بينة اسم فاعل أطلق للمفعول، وإشعارا بأنها لفرط اجتلائها للأبصار بحيث تكاد تبصر نفسها لو كانت مما يبصر، أو ذات تبصر من حيث إنها تهدي والعمي لا تهتدي فضلا عن أن تهدي، أو مبصرة كل من نظر إليها وتأمل فيها. وقرىء»مبصرة« أي مكانا يكثركم فيه التبصر. ﴿ قالوا هذا سحر مبين ﴾ واضح سحريته.

﴿ وجحدوا بها ﴾ وكذبوا بها. ﴿ واستيقنتها أنفسهم ﴾ وقد استيقنتها لأن الواو للحال. ﴿ ظلما ﴾ لأنفسهم. ﴿ وعلوا ﴾ ترفعا عن الإيمان وانتصابهما. على العلة من ﴿ جحدوا ﴾. ﴿ فانظر كيف كان عقبة المفسدين ﴾ وهو الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة.

﴿ ولقد ءاتينا داوود وسليمن علما ﴾ طائفة من العلم وهو علم الحكم والشرائع، أو علما أي علم. ﴿ وقالا الحمد لله ﴾ عطفه بالواو إشعارا بأن ما قالاه بعض ما أتيا به في مقابلة هذه النعمة كأنه قال: ففعلا شكرا له ما فعلا ﴿ وقالا الحمد لله ﴾. ﴿ الذى فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ﴾ يعني من لم يؤت علما أو مثل علمهما، وفيه دليل على فضل العلم وشرف أهله حيث شكرا على العلم وجعلاه أساس الفضل ولم يعتبرا دونه ما أوتيا من الملك الذي لم يؤت غيرهما، وتحريض للعالم على أن يحمد الله تعالى على ما آتاه من فضله وأن يتواضع ويعتقد أنه وإن فضل على كثير فقد فضل عليه كثير.

﴿ وورث سليمن داوود ﴾ النبوة أو العلم أو الملك بأن قام مقامه في ذلك دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشر.

﴿ وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ﴾ تشهيرا لنعمة الله وتنويها بها ودعاء الناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير وغير ذلك من عظائم ما أوتيه، والنطق والمنطق في المتعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفردا كان أو مركبا وقد يطلق لكل ما يصوت به على التشبيه، أو التبع كقولهم نطقت الحمامة ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد، فإن الأصوات الحيوانية من حيث إنها تابعة للتخيلات منزلة منزلة العبارات سيما وفيها ما يتفاوت باختلاف الأغراض بحيث يفهمها ما من جنسه، ولعل سليمان عليه الصلاة والسلام مهما سمع صوت حيوان علم بقوته القدسية التخيل الذي صوته والغرض الذي توخاه به. ومن ذلك ما حكي أنه مر ببلبل يصوت ويترقص فقال: يقول إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء، وصاحت فاختة فقال: إنها تقول ليت الخلق لم يخلقوا، فلعله كان صوت البلبل عن شبع وفراغ بال وصياح الفاختة عن مقاساة شدة وتألم قلب، والضمير في ﴿ علمنا ﴾ ﴿ وأوتينا ﴾ له ولأبيه عليهما الصلاة والسلام أوله وحده على عادة الملوك لمراعاة قواعد السياسة، والمراد ﴿ من كل شيء ﴾ كثرة ما أوتي كقولك: فلان يقصده كل أحد ويعلم كل شيء. ﴿ إن هذا لهو الفضل المبين ﴾ الذي لا يخفى على أحد.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٩٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٩٣١