49.13-18
﴿ يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى ﴾ من آدم وحواء عليهما السلام، أو خلقنا كل واحد منكم من أب وأم فالكل سواء في ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب. ويجوز أن يكون تقريرا للأخوة المانعة عن الاغتياب. ﴿ وجعلنكم شعوبا وقبائل ﴾ الشعب الجمع العظيم المنتسبون إلى أصل واحد وهو يجمع القبائل. والقبيلة تجمع العمائر. والعمارة تجمع البطون. والبطن تجمع الأفخاذ. والفخذ يجمع الفضائل، فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، وعباس فصيلة. وقبل الشعوب بطون العجم والقبائل بطون العرب. ﴿ لتعرفوا ﴾ ليعرف بعضكم بعضا لا للتفاخر بالآباء والقبائل. وقرىء ﴿ لتعرفوا ﴾ بالإدغام و «لتتعارفوا» و «لتعرفوا». ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقكم ﴾ فإن التقوى بها تكمل النفوس وتتفاضل بها الأشخاص، فمن أراد شرفا فليلتمسه منها كما قال عليه الصلاة والسلام
" من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله "
وقال عليه الصلاة والسلام
" يا أيها الناس إنما الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله "
﴿ إن الله عليم ﴾ بكم ﴿ خبير ﴾ ببواطنكم.
﴿ قالت الأعراب ءامنا ﴾ نزلت في نفر من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان يريدون الصدقة ويمنون. ﴿ قل لم تؤمنوا ﴾ إذ الإيمان تصديق مع ثقة وطمأنينة قلب، ولم يحصل لكم إلا لما مننتم على الرسول عليه الصلاة والسلام بالإسلام وترك المقاتلة كما دل عليه آخر السورة. ﴿ ولكن قولوا أسلمنا ﴾ فإن الإسلام انقياد ودخول في السلم وإظهار الشهادتين وترك المحاربة، يشعر به وكان نظم الكلام أن يقول لا تقولوا آمنا ﴿ ولكن قولوا أسلمنا ﴾ ، أو لم تؤمنوا ولكن أسلمتم فعدل منه إلى هذا النظم احترازا من النهي عن القول بالإيمان والجزم بإسلامهم، وقد فقد شرط اعتباره شرعا. ﴿ ولما يدخل الإيمن فى قلوبكم ﴾ توقيت ل ﴿ قولوا ﴾ فإنه حال من ضميره أي: ﴿ ولكن قولوا أسلمنا ﴾ ولم تواطىء قلوبكم ألسنتكم بعد. ﴿ وإن تطيعوا الله ورسوله ﴾ بالإخلاص وترك النفاق. ﴿ لا يلتكم من أعملكم ﴾ لا ينقصكم من أجورها. ﴿ شيئا ﴾ من لات يليت ليتا إذا نقص، وقرأ البصريان «لا يألتكم» من الألت وهو لغة غطفان. ﴿ إن الله غفور ﴾ لما فرط من المطيعين. ﴿ رحيم ﴾ بالتفضل عليهم.
﴿ إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ﴾ لم يشكوا من ارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة، وفيه إشارة إلى ما أوجب نفي الإيمان عنهم، و ﴿ ثم ﴾ للإشعار بأن اشتراط عدم الارتياب في اعتبار الإيمان ليس حال الإيمان فقط بل فيه وفيما يستقبل فهي كما في قوله:
ثم استقموا
[فصلت: 30] ﴿ وجهدوا بأمولهم وأنفسهم فى سبيل الله ﴾ في طاعته والمجاهدة بالأموال والأنفس تصلح للعبادات المالية والبدنية بأسرها. ﴿ أولئك هم الصدقون ﴾ الذين صدقوا في إدعاء الإيمان.
﴿ قل أتعلمون الله بدينكم ﴾ أتخبرونه به بقولكم ﴿ آمنا ﴾. ﴿ والله يعلم ما فى السموات وما في الأرض والله بكل شيء عليم ﴾ لا يخفى عليه خافية، وهو تجهيل لهم وتوبيخ. روي أنه لما نزلت الآية المتقدمة جاؤوا وخلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه الآية.
﴿ يمنون عليك أن أسلموا ﴾ يعدون إسلامهم عليك منة وهي النعمة التي لا يستثيب موليها ممن بذلها إليه، من المن بمعنى القطع لأن المقصود بها قطع حاجته. وقيل النعمة الثقيلة من المن. ﴿ قل لا تمنوا على إسلمكم ﴾ أي بإسلامكم، فنصب بنزع الخافض أو تضمين الفعل معنى الاعتدال. ﴿ بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمن ﴾ على ما زعمتم مع أن الهداية لا تستلزم الاهتداء، وقرىء «إن هداكم» بالكسر و ﴿ إذ هداكم ﴾. ﴿ إن كنتم صدقين ﴾ في ادعاء الإيمان، وجوابه محذوف يدل عليه ما قبله أي فلله المنة عليكم، وفي سياق الآية لطف وهو أنهم لما سموا ما صدر عنهم إيمانا ومنوا به فنفى أنه إيمان وسماه إسلاما بأن قال يمنون عليكم بما هو في الحقيقة إسلام وليس بجدير أن يمن به عليك، بل لو صح ادعاؤهم للإيمان فلله المنة عليهم بالهداية له لا لهم.