﴿ فضلا من الله ونعمة ﴾ تعليل ل ﴿ كره ﴾ أو ﴿ حبب ﴾ ، وما بينهما اعتراض لا ل ﴿ الرشدون ﴾ فإن الفضل فعل الله، والرشد وإن كان مسببا عن فعله مسند إلى ضميرهم أو مصدر لغير فعله فإن التحبيب والرشد فضل من الله وإنعام. ﴿ والله عليم ﴾ بأحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل ﴿ حكيم ﴾ حيث يفضل وينعم بالتوفيق عليهم.
49.9-12
﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ تقاتلوا والجمع باعتبار المعنى فإن كل طائفة جمع. ﴿ فأصلحوا بينهما ﴾ بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى. ﴿ فإن بغت إحداهما على الأخرى ﴾ تعدت عليها. ﴿ فقتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله ﴾ ترجع إلى حكمه أو ما أمر به، وإنما أطلق الفيء على الظل لرجوعه بعد نسخ الشمس، والغنيمة لرجوعها من الكفار إلى المسلمين. ﴿ فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل ﴾ بفصل ما بينهما على ما حكم الله، وتقييد الإصلاح بالعدل ها هنا لأنه مظنة الحيف من حيث إنه بعد المقاتلة. ﴿ وأقسطوا ﴾ واعدلوا في كل الأمور. ﴿ إن الله يحب المقسطين ﴾ يحمد فعلهم بحسن الجزاء. والآية نزلت في قتال حدث بين الأوس والخزرج في عهده عليه الصلاة والسلام بالسعف والنعال، وهي تدل على أن الباغي مؤمن وأنه إذا قبض عن الحرب ترك كما جاء في الحديث لأنه فيء إلى أمر الله تعالى، وأنه يجب معاونة من بغى عليه بعد تقديم النصح والسعي في المصالحة.
﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد وهو الإيمان الموجب للحياة الأبدية، وهو تعليل وتقرير للأمر بالإصلاح ولذلك كرره مرتبا عليه بالفاء فقال: ﴿ فأصلحوا بين أخويكم ﴾ ووضع الظاهر موضع الضمير مضافا إلى المأمورين للمبالغة في التقرير والتخصيص، وخص الإثنين بالذكر لأنهما أقل من يقع بينهم الشقاق. وقيل المراد بالأخوين الأوس والخزرج. وقرىء «بين إخوتكم» و «إخوانكم». ﴿ واتقوا الله ﴾ في مخالفة حكمه والإهمال فيه. ﴿ لعلكم ترحمون ﴾ على تقواكم.
﴿ يأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ﴾ أي لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض إذ قد يكون المسخور منه خيرا عند الله من الساخر، والقوم مختص بالرجال لأنه إما مصدر نعت به فشاع في الجمع أو جمع لقائم كزائر وزور، والقيام بالأمور وظيفة الرجال كما قال تعالى:
الرجال قوامون على النساء
[النساء: 34] وحيث فسر بالقبيلين كقوم عاد وفرعون، فإما على التغليب أو الاكتفاء بذكر الرجال على ذكرهن لأنهن توابع، واختيار الجمع لأن السخرية تغلب في المجامع و ﴿ عسى ﴾ باسمها استئناف بالعلة الموجبة للنهي ولا خبر لها لإغناء الاسم عنه. وقرىء «عسوا أن يكونا» و «عسين أن يكن» فهي على هذا ذات خبر. ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم ﴾ أي ولا يغتب بعضكم بعضا فإن المؤمنين كنفس واحدة، أو لا تفعلوا ما تلمزون به فإن من فعل ما يستحق به اللمز فقد لمز نفسه. واللمز الطعن باللسان. وقرأ يعقوب بالضم. ﴿ ولا تنابزوا بالألقب ﴾ ولا يدع بعضكم بعضا بلقب السوء، فإن النبز مختص بلقب السوء عرفا.
﴿ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ﴾ أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسوق بعد دخولهم الإيمان واشتهارهم به، والمراد به إما تهجين نسبة الكفر والفسق وإلى المؤمنين خصوصا إذ روي أن الآية نزلت في صفية بنت حيي رضي الله عنها، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن النساء يقلن لي يا يهودية بنت يهوديين، فقال لها
" هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد عليهم السلام "
أو للدلالة على أن التنابز فسق والجمع بينه وبين الإيمان مستقبح. ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما نهى عنه. ﴿ فأولئك هم الظلمون ﴾ بوضع العصيان موضع الطاعة وتعريض النفس للعذاب.
﴿ ا يأيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ﴾ كونوا منه على جانب، وإبهام الكثير ليحتاط في كل ظن ويتأمل حتى يعلم أنه من أي القبيل، فإن من الظن ما يجب اتباعه كالظن حيث لا قاطع فيه من العمليات وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، وما يحرم كالظن في الإلهيات والنبوات وحيث يحالفه قاطع وظن السوء بالمؤمنين، وما يباح كالظن في الأمور المعاشية. ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ مستأنف للأمر، والإثم الذنب الذي يستحق العقوبة عليه. والهمزة فيه بدل من الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها. ﴿ ولا تجسسوا ﴾ ولا تبحثوا عن عورات المسلمين، تفعل من الجس باعتبار ما فيه من معنى الطلب كالتلمس، وقرىء بالحاء من الحس الذي هو أثر الجس وغايته ولذلك قيل للحواس الخمس الجواس. وفي الحديث