تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا..

[الزمر: 8]. ومن دقة الأداء القرآني في هذه المسألة قوله تعالى:

يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع..

[الجمعة: 9]. فذكر طرفا واحدا من عملية التجارة وهو البيع، ولم يقل: والشراء، قالوا: لأنه حين يمنع البيع يمنع الشراء في الوقت نفسه ولأن الإنسان يحرص على البيع لكن قد يشتري وهو كاره، فشهوة الإنسان متعلقة بالبيع لا بالشراء، لأن الشراء يحتاج منه إلى مال على خلاف البيع الذي يجلب له المال. إذن: قوله تعالى:

وذروا البيع..

[الجمعة: 9] إنما ذكر قمة حركة الحياة وخلاصتها، فكل حركات الحياة من تجارة أو زراعة أو صناعة تنتهي إلى مسألة البيع لذلك يحزن البائع إذا لم يبع، أما المشتري فيقول حين لا يجد الشيء أو يجد المحل مغلقا: بركة يا جامع.

ثم إذا انتهت الصلاة يعيدنا من جديد إلى حركة الحياة:

فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله..

[الجمعة: 10]. كأنك ذهبت للمسجد لتأخذ شحنة إيمانية تعينك وتسيطر على كل حواسك في حركتك في التجارة، وفي الإنتاج، وفي الاستهلاك، وفي كل ما ينفعك وينمي حياتك. وحين يأمرك ربك أن تفرغ لأداء الصلاة لا يريد من هذا الفراغ أن يعطل لك حركة الحياة، إنما ليعطيك الوقود اللازم لتصبح حركة حياتك على وفق ما أراده الله. وما أشبه هذا الوقت الذي نختزله من مصالح دنيانا في عبادة الله بشحن بطارية الكهرباء، فحين تذهب بالبطارية إلى جهاز الشحن لا نقول: إنك عطلت البطارية إنما زدت من صلاحيتها لأداء مهمتها وأخذ خيرها. فأنت تذهب إلى بيت الله بنور الإيمان، وبنور الاستجابة لنداء: الله أكبر، فتخرج بأنوار متعددة من فيوضات الله لذلك ضرب لنا الحق - تبارك وتعالى - مثلا لها النور بالمصباح الذي يتنامى نوره ويتصاعد لأنه في زجاجة تزيد من ضوئه لأنها مثل كوكب دري والنور يتصاعد لأنها بزيت زيتونة، ويتصاعد لأنها شرقية وغربية في آن واحد، إذن: عندنا ألوان متعددة في المثل، فكذلك النور في بيوت الله. لذلك قال بعض العارفين: أهل الأرض ينظرون في السماء نجوما متلألئة، والملائكة في السماء ينظرون نجوما متلألئة من بيوت الله، ولا عجب في ذلك لأنها أنوار الله تتلألأ وتتدفق في بيته وفي مسجده، وكيف نستبعد ذلك ونحن نرى نور الشمس كيف يفعل حينما ينعكس على سطح القمر فيلقي إلينا بالضوء الذي نراه؟ والشمس والقمر أثر من آثار نور الله الذي يسطع في بيوت الله، ألا يعطينا ذلك الإشعاع الذي يفوق إشعاع البدور؟ ثم يقول تعالى: ﴿ يسبح له فيها بالغدو والآصال ﴾ [النور: 36] فالمساجد جعلت لتسبيح الله لذلك كان بعض الصالحين إذا نزل بلدا يتحيل أن ينزلها في غير وقت الصلاة، ثم يذهب إلى المسجد فإن وجده عامرا في غير وقت الصلاة بالمسبحين علم أن هؤلاء ملتزمون بمنهج الله، حيث يجلسون قبل وقت الصلاة يسبحون الله وينتظرون الصلاة، وإن وجد الحال غير ذلك انصرف عنها وعلم أنها بلد لا خير فيها. والغدو: يعني الصباح، والآصال: يعني المساء، فهي لا تخلو أبدا من ذكر الله وتسبيحه، وقد وصف هؤلاء الذين يعمرون بيوت الله بالذكر والتسبيح بأنهم: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٦٥