تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن: فالعدل واحد لا يقال بالتشكيك، وليس لكل واحد منهم عدل خاص به، العدل واحد. كذلك الحال في ﴿ الطفل.. ﴾ [النور: 31] مع أن المراد الأطفال، لكن قال الطفل لأن غرائزه مشتركة مع الكل، وليس له هوى، فكل الأطفال - إذن - كأنهم طفل واحد حيث لم يتكون لكل منهم فكره الخاص به، الجميع يحب اللهو واللعب، ولا شيء وراء ذلك، فالجمعية هنا غير واضحة لوجود التوحيد في الغرائز وفي الميول. بدليل أنه إذا كبر الأطفال وانتقلوا إلى مرحلة البلوغ وتكون لديهم هوى وفكر وميل يقول القرآن عنهم:

وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم..

[النور: 59] فنظر هنا إلى الجمع لعدم وجود التوحد في مرحلة الطفولة المبكرة. ومن ذلك أيضا قوله تعالى:

هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين

[الذاريات: 24] فوصف ضيف وهي مفرد بالجمع مكرمين ذلك لأن ضيف تدل أيضا على الجمع، فالضيف من انضاف على البيت وله حق والتزامات لا بد أن يقدمها المضيف، مما يزيد على حاجة البيت، والضيف في هذه الالتزامات واحد، سواء كان مفردا أو جماعة لذلك دل بالمفرد على الجمع. وقوله تعالى: ﴿ الذين لم يظهروا على عورات النسآء.. ﴾ [النور: 31] يظهر على كذا: لها معنيان في اللغة: الأول: بمعنى يعلم كما في قوله تعالى:

إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم..

[الكهف: 20] يعني: إن علموا بكم وعرفوا مكانكم. والثاني: بمعنى يعلو ويغلب ويقهر، كما في قوله تعالى:

فما اسطاعوا أن يظهروه

[الكهف: 97] أي: السد الذي بناه ذو القرنين، فالمعنى: ما استطاعوا أن يعلوه ويرتفعوا عليه. وهنا ﴿ لم يظهروا على عورات النسآء.. ﴾ [النور: 31] يعني: يعرفونها ويستبينونها، أو يقدرون على مطلوباتها، فليس لهم علم أو دراية بهذه المسائل. ثم يقول سبحانه: ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن.. ﴾ [النور: 31]. الحق - تبارك وتعالى - يكشف ألاعيب النساء وحيلهن في جذب الأنظار، فإذا لم يلفتك إليها النظر لفتك الصوت الذي تحدثه بمشيتها كأنها تقول لك: يا بجم اسمع، يا للي ما نتاش شايف اسمع، وفي الماضي كن يلبسن الخلخال الذي يحدث صوتا أثناء المشي، والآن يجعلن في أسفل الحذاء ما يحدث مثل هذا الصوت أثناء المشي، وأول من استخدم هذه الحيل الراقصات ليجذبن إليهن الأنظار. ومعلوم أن طريقة مشي المرأة تبدي الكثير من زينتها التي لا يراها الناس، وتسبب كثيرا من الفتنة لذلك يقول تعالى بعدها وفي ختام هذه المسائل: ﴿ وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون ﴾ [النور: 31]. لم يقل الحق تبارك وتعالى: يا من أذنبتم بهذه الذنوب التي سبق الحديث عنها، إنما قال ﴿ جميعا.. ﴾ [النور: 31] فحث الجميع على التوبة ليدل على أن كل ابن آدم خطاء، ومهما كان المسلم متمسكا ملتزما فلا يأمن أن تفوته هفوة هنا أو هناك، والله - عز وجل - الخالق والأعلم بمن خلق لذلك فتح لهم باب التوبة وحثهم عليها، وقال لهم: ما عليكم إلا أن تتوبوا، وعلي أنا الباقي. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم.. ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٥٧