تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع ذلك، لم يجرؤ أحد أن يخبر السيدة عائشة بما يقوله المنافقون في حقها، لكن تغير لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يعد يداعبها كعادته، وكان يدخل عليها فيقول: " كيف تيكم " وقد لاحظت عائشة هذا التغير لكن لا تعرف له سببا إلى أن تصادف أن سارت هي وأم مسطح أحد هؤلاء المنافقين، فعثرت فقالت: تعس مسطح فنهرتها عائشة: كيف تدعو على ابنها، فقالت: إنك لا تدرين ما يقول؟ عندها ذهبت السيدة عائشة إلى أمها وسألتها عما يقوله الناس فأخبرتها. لذلك لما نزلت براءة عائشة في القرآن قال لها أبو بكر: قومي فاشكري رسول الله، فقالت: بل أشكر الله الذي برأني. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم.. ﴾ [النور: 11]. عادة ما يستخدم الفعل كسب المجرد في الخير، والفعل اكتسب المزيد الدال على الافتعال في الشر، لماذا؟ قالوا: لأن فعل الخير يتمشى وطبيعة النفس، وينسجم مع ذراتها وتكوينها، فالذي يقدم على عمل الخير لا يقاوم شيئا في نفسه، ولا يعارض ملكة من ملكاته، أو عادة من العادات. وهذه نلاحظها حتى في الحيوانات، ألا ترى القطة: إن وضعت لها قطعة لحم تجلس بجوارك وتأكلها، وإن أخذتها منك خطفا تفر بها هاربة وتأكلها بعيدا عنك. إذن: في ذاتية الإنسان وفي تكوينه - وحتى في الحيوان - ما يعرف به الخير والشر، والصواب والخطأ. وأنت إذا نظرت إلى ابنتك أو زوجتك تكون طبيعيا مطمئنا لأن ملكات نفسك معك موافقة لك لا تعارضك في هذا الفعل، فإن حاولت النظر إلى ما لا يحل لك تختلس النظرة وتسرقها، وتحاول سترها حتى لا يلحظها أحد، وقد ترتبك ويتغير لونك، لماذا؟ لأنك تفعل شيئا غير طبيعي، لا حق لك فيه، فتعارضك ملكات نفسك، وذرات تكوينك. فالأمر الطبيعي تستجيب له النفس تلقائيا، أما الخطأ والشر فيحتاج إلى افتعال، لذلك عبر عن المكر والتبييت والكيد ب اكتسب الدال على الافتعال. وقوله تبارك تعالى: ﴿ والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ﴾ [النور: 11]. تولى كبر الشيء: يعني قام به وله حظ وافر فيه، أو نقول: هو ضالع فيه، والمقصود هنا عبد الله بن أبي الذي قاد هذه الحملة، وتولى القيام بها وترويجها ﴿ له عذاب عظيم ﴾ [النور: 11] أي: يناسب هذه الجريمة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٣٨