تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم

[الصافات: 103-107]. فبعد أن رضي إبراهيم وولده بقضاء الله رفع عنهما البلاء، وجاءهما الفداء من الله لإسماعيل، بل وزاده بأن بشره بولد آخر هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، أجيال متعاقبة جاءت فضلا من الله وجزاء على الرضا بقضائه وقدره، وما أحسن ما قال الشاعر في هذا الموقف:

سلم لربك حكمه فلحكمة

يقضيه حتى تستريح وتغنما

واذكر خليل الله في ذبح ابنه

إذ قال خالقه فلما أسلما

إذن: إذا كانت القلوب نفسها في غمرة، فقد خرب جهاز العقائد والمبادئ، وينشأ عن خرابه خراب حركة الحياة وانحراف السلوك. وقد أخذ القلب هذه الأهمية لأنه معمل الدم، ومصدر سائل الحياة، فإن فسد لا بد أن ينضح على باقي الجوارح، فتفسد هي الأخرى، ولو كان القلب صالحا فلا بد أن ينضح صلاحه على الجوارح كلها فتصلح، كما جاء في الحديث الشريف:

" ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ".

ثم يقول سبحانه: ﴿ ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ﴾ [المؤمنون: 63] يعني الأمر لا يتوقف بهم عند مسألة العقائد، إنما لهم أعمال أخرى كثيرة سيقعون فيها، فالحق سبحانه لا يذكر لهم إلا قمم المخالفات ونماذج منها، إنما في علمه تعالى وفي لوحه المحفوظ أنهم سيفعلون كذا ويفعلون كذا، وإن كانوا هم أنفسهم لا يعلمون أن ذلك سيحدث منهم لكن ربهم - عز وجل - يعلم بطلاقة القدرة ما كان وما سيكون. ومن عجائب قدرة الله أنه سبحانه يحكم على عبده الكافر أنه سيعمل كذا وكذا، ومع ذلك لم يعاند أحد الكفار، فيقول: إن الله حكم علي بكذا، ولكني لن أفعل فيكون حكم الله عليه غير صحيح لأن الحق سبحانه لا يتحكم فيما يجريه علينا فحسب، وإنما في اختيار العبد ومراده، مع أن العبد حر في أن يفعل أو لا يفعل. وهذه القضية واضحة في قوله تعالى عن أبي لهب:

تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب

[المسد: 1-3] فقوله: ﴿ سيصلى نارا.. ﴾ تفيد المستقبل، فقد حكم الحق سبحانه عليه أنه سيكون في النار، وكان أبو لهب في أمة ومجمع من القوم الكافرين، ومنهم من آمن فمن يضمن أن يسمع أبو لهب هذا الحكم ومع ذلك لا يؤمن ويموت كافرا؟ ثم ألم يكن بإمكان هذا المغفل أن يقف على ملأ ويقول: " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ويدخل في الإسلام، فيكون الحكم فيه غير صحيح؟ لكن هذا كلام الله وحكمه القديم لا يرد ولا يخالفه أحد مهما كان أمره في يده وهو قادر على الاختيار، هذا من طلاقة قدرة الله في فعله وعلى خلقه في أفعالهم. فالمعنى: ﴿ هم لها عاملون ﴾ [المؤمنون: 63] حكم لا يرد ولا يكذب، حتى وإن أخبر به صاحبه لأن علم الله تعالى مستوعب لما كان ولما سيكون، وكأن الحق سبحانه يقول: إن طلاقة القدرة ليست فيما أفعله فحسب، إنما يفعله غيري ممن أعطيته حرية الاختيار. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ حتى إذآ أخذنا مترفيهم بالعذاب... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٨٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٨٨٠