تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14.35

وحين يقول سبحانه إذ أي " اذكر " ويقول من بعد ذلك على لسان إبراهيم رب ولم يقل " يا الله " ذلك أن إبراهيم كان يرفع دعاءه للخالق المربي، لذلك قال " ربي " ولم يقل " يا الله " لأن عطاء الله تكليف، وأمام التكليف هناك تخيير في أن تفعل ولا تفعل، مثل قوله سبحانه:

وأقيموا الصلاة..

[البقرة: 43]. أما عطاء الربوبية فهو ما يقيم حياة المصلين وغير المصلين. ولم تأت مسألة إبراهيم هنا قفزا ولكنا نعلم أن القرآن قد نزل، وأول من سيسمعه هم السادة من قريش الذين تمتعوا بالمهابة والسيادة على الجزيرة العربية ولا يجرؤ أحد على التعرض لقوافلها في رحلتي الشتاء والصيف لليمن والشام وهم قد أخذوا المهابة من البيت الحرام. ولذلك تكلم الحق سبحانه عن النعمة العامة لكل كائن موجود تنتظر أذنه نداء الإسلام وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه عن النعم التي تخصهم لذلك قال: ﴿ رب اجعل هذا البلد آمنا.. ﴾ [إبراهيم: 35]. وقد وردت هذه الجملة في سورة البقرة بأسلوب آخر، وهو قول الحق سبحانه:

وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا..

[البقرة: 126]. والفرق بين " البلد " و " بلدا " يحتاج منا أن نشرحه، ف " بلدا " تعني أن المكان كان قفرا ودعا إبراهيم أن يصبح هذا المكان بلدا آمنا أي: أن يجد من يقيمون فيه، يجددون حاجاتهم ومتطلباتهم وتكون وسائل الرزق فيه ميسرة، ودعاؤه أيضا شمل طلب الأمن، أي: ألا يوجد به ما يهدد طمأنينة الناس على يومهم العادي ووسائل رزقهم. وأجاب الحق سبحانه دعاء إبراهيم فصار المكان بلدا وجعله سبحانه آمنا أمانا عاما لأن الإنسان في أي بقعة من بقاع الأرض لا يتخذ مكانا يجلس فيه ويقيم ويتوطن إلا إذا ضمن لنفسه أسباب الأمن من مقومات حياة ومن عدم تفزيعه تفزيعا قويا، وهذا الأمن مطلوب لكل إنسان في أي أرض. وقد دعا إبراهيم عليه السلام هذا الدعاء وقت أن نزل هذا المكان، وكان واديا غير ذي زرع ولا مقومات للحياة فيه فكان دعاؤه هذا الذي جاء ذكره في سورة البقرة. أما هنا فقد صار المكان بلدا وكان الدعاء بالأمن لثاني مرة هي دعوة لأمن خاص ففي غير هذا المكان يمكن أن تقطع شجرة أو يصطاد صيد ولكن في هذا المكان هناك أمن خاص جدا أمن للنبات ولكل شيء يوجد فيه فحتى الحيوان لا يصاد فيه وحتى فاعل الجريمة لا يمس. وهكذا اختلف الدعاء الأول بالأمن عن الدعاء الثاني فالدعاء الأول: هو دعاء بالأمن العام والدعاء الثاني: هو دعاء بالأمن الخاص ذلك أن كل بلد يوجد قد يتحقق فيه الأمن العام ولكن بلد البيت الحرام يتمتع بأمن يشمل كل الكائنات.

ويقول بعض من السطحيين: ما دام الحق قد جعل البيت حرما آمنا فلماذا حدث ما حدث من سنوات من اعتداء على الناس في الحرم؟ ونقول: وهل كان أمن الحرم أمرا " كونيا " ، أم تكليفا شرعيا؟ إنه تكليف شرعي عرضة أن يطاع، وعرضة أن يعصى. وقوله سبحانه:

ومن دخله كان آمنا..

[آل عمران: 97]. يعني أن عليكم أيها المتبعون لدين الله أن تؤمنوا من يدخل الحرم أنهم في أمن وأمان، وهناك فارق بين الأمر التكليفي والأمر الكوني. ويقول سبحانه على لسان إبراهيم: ﴿ واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ﴾ [إبراهيم: 35]. وهو قول يحمل التنبؤ بما حدث في البيت الحرام على يد عمرو ابن لحي الذي أدخل عبادة الأصنام إلى الكعبة، وهو قول يحمل تنبؤا من إبراهيم عليه السلام. ولقائل أن يسأل: وكيف يدعو إبراهيم بذلك، وهو النبي المعصوم؟ كيف يطلب من الحق أن يجنبه عبادة الأصنام؟ وأقول: وهل العصمة تمنع الإنسان أن يدعو ربه بدوام ما هو عليه؟ إننا نتلقى على سبيل المثال الأمر التكليفي منه سبحانه:

يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله..

[النساء: 136]. وهو أمر بالمداومة. والحق سبحانه قد قال على لسان رسوله شعيب - عليه السلام -:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩٢٨