تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك وما كان عطآء ربك محظورا

[الإسراء: 20]. وهكذا تكون طلاقة قدرة الحق سبحانه وهو يفعل ما يشاء، ذلك أنه لا يوجد إله غيره. والحق سبحانه قد أكرمنا بالعبودية له وحده، ذلك أننا رأينا جميعا وشاهدنا أثر عبودية الإنسان للإنسان حين يأخذ السيد خير العبد وقد ذاقت البشرية الكثير من ويلاتها، ولكن العبودية لله تختلف تماما حيث يأخذ العبد خير السيد ويغدق السيد إحسانه على عباده. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا... ﴾.

14.28

وحين يقول الحق سبحانه: ﴿ ألم تر إلى.. ﴾ [إبراهيم: 28]. فهذا يعني أن المخبر وهو الحق إذا ما أخبرنا بشيء فهو أصدق من أن تراه أعيننا. وتشير الآية إلى عملية مبادلة بين اعتراف بالنعمة ثم إنكارها. كأن هناك شيئا قد استبعدناه، وأتينا ببديل له. والحق سبحانه هو القائل:

أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير..

[البقرة: 61]. والحق سبحانه وتعالى قد أعطاك النعمة ولم يطلب منك أن تقوم بأي تكليف إيماني قبل البلوغ. وهكذا نجد أن النعمة هي الأصل، والتكليف إنما يأتي من بعد ذلك، وكان من الواجب ألا يعصي العبد من أنعم عليه بكل النعم، وأن يتجه إلى التكليف بمحبة كي لا يقلب نعمة الله كفرا. أو: أن المقصود هم قوم قريش الذين أفاء الله عليهم الخير، وجعل لهم الحرم آمنا:

أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون

[القصص: 57]. وكذلك أنعم عليهم بأن يكون نبي الإسلام - الدين الخاتم - منهم، وهو النبي الذي ستدين له الدنيا والعالم في كل زمان ومكان فلماذا يبدلون تلك النعمة كفرا؟ أما كانت تلك النعمة وحدها كافية لمقابلتها بعميق الشكر وحسن العبادة؟ فهذا النبي الذي قال الحق سبحانه عن رسالته:

وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون

[الزخرف: 44]. وهو سبحانه القائل عن نعمه عليهم:

لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

[قريش: 1-4]. فكيف يبدلون نعمة الله كفرا؟ وكيف يسيئون معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه حتى قال صلى الله عليه وسلم:

" اللهم اجعل سنينهم كسنين يوسف ".

وخرج لقتالهم في بدر وهم الذين صنعوا بأنفسهم ذلك نتيجة تبديلهم لنعمة الله كفرا، ولماذا قبلوا عطاء الحق من خير ونعم ورفضوا منهجه؟ ولو كانوا قوم صدق مع النفس، وصدق مع ما يعتقدونه لطلبوا من الأصنام أن تعطيهم أو لرفضوا أن يأخذوا خير المنعم ما داموا قد رفضوا منهجه، وهو سبحانه قد أنعم عليهم بمقومات المادة وأضاف لذلك منهجه مقوم الروح. وحين نقرأ قول الحق سبحانه: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ [إبراهيم: 28]. نفهم أن الإحلال هو إيجاد حال في محل. ونعلم أن الظرف ينقسم إلى قسمين: ظرف مكان، وظرف زمان فإذا أحللت حدثا محل حدث فهذا يخص ظرف الزمان، وحين تحل شيئا مكان شيء آخر، فهذا أمر يخص ظرف المكان. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ [إبراهيم: 28]. وهذا يعني ظرف مكان. ولقائل أن يقول: وكيف يأخذون أهلهم وقومهم ليحلوهم إلى دار بوار؟ ونقول: لقد حدث ذلك نتيجة أنهم قد غشوهم وخدعوهم، ولم يستعمل هؤلاء الأهل عقولهم ولم يلتفتوا إلى أن قادتهم وأولي الأمر منهم يسلكون السلوك السيء وعليهم ألا يقلدوهم فجروا عليهم الفتن واحدة تلو أخرى، وترين الفتن على القلوب.

ولهذا أراد الحق سبحانه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تكون بها مناعات من الفتن فتحث النفس اللوامة المؤمن فيكثر الحسنات ليبطل السيئات، وإذا ما تحولت النفس اللوامة إلى نفس أمارة بالسوء وجدت في المجتمع المسلم من يزجرها. وبهذا تصبح أمة محمد صلى الله عليه وسلم محصنة ضد الفتن التي تذهب الإيمان. ويقول الحق سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩١٥