تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14.31

و ﴿ قل ﴾ من الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهل معنى هذا أن العباد الذين سيسمعون هذا الأمر سيقومون إلى الصلاة لقد سمعه بعضهم ولم يقم إلى الصلاة. إذن: من يطع الأمر هو من حقق شرط الإيمان، وعلينا أن ننظر إلى مكتنفات كلمة " عبادي " فعباد الله هم الذين آمنوا، وحين يؤمنون فهم سيعبرون عن هذا الإيمان بالطاعة. وهكذا نفهم معنى الألفاظ لتستقيم معانيها في أساليبها. وكل خلق الله عبيد له ذلك أن هناك أمورا قد أرادها الله في طريقة خلقهم، لا قدرة لهم على مخالفتها فهو سبحانه قد قهرهم في أشياء وخيرهم في أشياء. ولذلك أقول دائما للمتمردين على الإيمان بالله لقد ألفتم التمرد على الله ولم يأب طبع واحد منكم على رفض التمرد، فإن كنتم صادقين مع أنفسكم عليكم أن تتمردوا على التنفس فهو أمر لا إرادي، أو تمردوا - إن استطعتم - على المرض وميعاد الموت، ولن تستطيعوا ذلك أبدا. ولكنهم ألفوا التمرد على ما يمكنهم الاختيار فيه. ونسوا أن الله يريد منهم أن يلتزموا بمنهجه فإن اختار المؤمن أن يتبع منهج الله صار من " عباد الله " ، وإن لم يخضع للمنهج فيما له فيه اختيار فهو من العبيد المقهورين على اتباع أوامر الله القهرية فقط. وأنت حين تستقرئ كلمة " عباد " وكلمة " عبيد " في القرآن ستجد قول الحق سبحانه:

وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما

[الفرقان: 63]. وتتعدد هنا صفات العباد الذين اختاروا اتباع منهج الله، وستجد كلمة العبيد وهي ملتصقة بمن يتمردون على منهج الله ولن تجد وصفا لهم بأنهم " عباد " إلا في آية واحدة حين يخاطب الحق جل وعلا الذين أضلوا الناس فيقول لهم:

أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل

[الفرقان: 17]. ونلحظ أن زمن هذا الخطاب هو في اليوم الآخر حيث لا يوجد لأحد مرتاد مع الله وحيث يسلب الحق سبحانه كل حق الاختيار من كل الكائنات المختارة. وهكذا لا يمكن لأحد أن يطعن في أن كلمة " عباد " إنما تستخدم في وصف الذين اختاروا عبادة الله والالتزام بمنهجه في الحياة الدنيا ذلك أنهم قد سلموا زمام اختيارهم لله، وأطاعوه في أوامره ونواهيه. ونلحظ أن قول الحق سبحانه: ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية.. ﴾ [إبراهيم: 31]. هو أمر صادر من الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأن المؤمنين في انتظار هذا الأمر لينفذوه فورا، ذلك أن المؤمن يحب أن ينفذ كل أمر يأتيه من الله.

وما دمت قد أبلغتهم يا محمد هذا الأمر فسينفذونه على الفور وقد جاء قوله يقيموا محذوفا منه لام الأمر، تأكيدا على أنهم سيصدعون لتنفيذ الأمر فور سماعه. وعادة نجد أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في جمهرة آيات القرآن تأتيان متتابعتين مع بعضهما لأن إقامة الصلاة تتطلب حركة، تتطلب طاقة وتأخذ وقودا والوقود يتطلب حركة ويأخذ زمنا، والزكاة تعني أن تخرج بعضا من ثمرة الزمن، وبعضا من أثر الحركة في الوقت. ونجد الكسالى عن الصلاة يقولون: " إن العمل يأخذ كل الوقت والواحد منا يحاول أن يجمع الصلوات إلى آخر النهار، ويؤديها جميعها قضاء ". وهم لا يلتفتون إلى أن كل فرض حين يؤدى في ميعاده لن يأخذ الوقت الذي يتصورون أنه وقت كبير. وظاهر الأمر أن الصلاة تقلل من ثمرة العمل، لكن الحقيقة أنها تعطي شحنة وطاقة تحفز النفس على المزيد من إتقان العمل وكيف يقبل المصلى على العمل بنفس راضية ذلك أنه بالصلاة قد وقف في حضرة من خلقه، ومن رزقه، ومن كفله. ولذلك يخرج منها هادئا مطمئنا منتبها راضيا وذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" أرحنا بها يا بلال ".

والصلاة في كل فرض لن تأخذ أكثر من ربع الساعة بالوضوء، وإذا نسبت وقت الصلوات كلها إلى وقت العمل ستجد أنها تأخذ نسبة بسيطة وتعطي بأكثر مما أخذت. وكذلك الزكاة قد تأخذ منك بعضا من ثمرة الوقت لتعطيه إلى غير القادر، ولكنها تمنحك أمانا اجتماعيا فوق ما تتخيل. ولذلك تجد الصلاة مرتبطة بالزكاة في آيات القرآن ببعضهما، وإقامة الصلاة هي جماع القيم كلها وإيتاء الزكاة جماع قيام الحركات العضلية كلها. وتعالج الصلاة شيئا، وتعالج الزكاة شيئا آخر وكلاهما تصلح مكونات ماهية الإنسان الروح ومقوماتها، والجسد ومقوماته. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩١٨