تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14.46

والمكر - كما نعلم - هو تبييت الكيد في خفاء مستور، ومأخوذ من الشجرة المكمورة أي: الشجرة التي تداري نفسها. ونحن نرى في البساتين الكبيرة شجرة في حجم الإصبع وهي مجدولة على شجرة أخرى كبيرة. ولا تستطيع أن تتعرف على ورقة منها، أو أن تنسب تلك الورقة إلى مكان خروجها، ومن أي فرع في الشجرة الملتفة إلا إذا نزعتها من حول الشجرة التي تلتف من حولها. ومن يبيت إنما يشهد على نفسه بالجبن والضعف وعدم القدرة على المواجهة، قد يصلح أن تبيت مساو لك أما أن تبيت على الحي القيوم الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء فتلك هي الخيبة بعينها. ولذلك يقول الحق سبحانه في مواجهة ذلك:

والله خير الماكرين

[آل عمران: 54]. وقال عن مكر هؤلاء:

ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله

[فاطر: 43]. ونعلم أننا حين ننسب صفة لله فنحن نأخذها في إطار:

ليس كمثله شيء..

[الشورى: 11]. وعادة ما ننسب كل فعل من الله للخير، كقوله سبحانه:

وأنت خير الوارثين

[الأنبياء: 89].

والله خير الماكرين

[آل عمران: 54]. وقوله هنا: ﴿ وقد مكروا مكرهم.. ﴾ [إبراهيم: 46]. أي: قاموا بالتبييت المناسب لحيلتهم ولتفكيرهم ولقوتهم فإذا ما قابل الحق سبحانه ذلك فلسوف يقابله بما يناسب قوته وقدرته المطلقة، وهو سبحانه قد علم أزلا بما سوف يمكرونه، وتركهم في مكرهم. فانتصارات الرسالات مرهون بقوة المرسل وأتباعه، وهم يقابلون خصوما هم حيثية وجود الرسالة ذلك أنهم قد ملأوا الأرض بالفساد، ويريدون الحفاظ على الفساد الذي يحفظ لهم السلطة والدين الجديد سيدك سيادتهم ويزلزلها لذلك لا بد ألا يدخروا وسعا في محاولة الكيد والإيقاع بالرسول للقضاء على الرسالة. وقد حاولوا ذلك بالمواجهة وقت أن كان الإسلام في بدايته فأخذوا الضعاف الذين أسلموا، وبدءوا في تعذيبهم ولم يرجع واحد من هؤلاء عن الدين. وحاولوا بالحرب فنصر الله الذين آمنوا، ولم يبق لهم إلا المكر، وسبحانه القائل:

وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين

[الأنفال: 30]. وحاولوا أن يفسدوا خلية الإيمان الأولى، وهي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وظنوا أنهم إن نجحوا في ذلك فسوف تنفض الرسالة. فحاولوا أن يشتروه بالمال فلم يفلحوا. وحاولوا أن يشتروه بالسيادة والملك فلم ينجحوا، وقال قولته المشهورة:

" والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته ".

ثم قرروا أن يقتلوه وأن يوزعوا دمه بين القبائل، وأخذوا من كل قبيلة شابا ليضربوا محمدا صلى الله عليه وسلم بالسيوف ضربة رجل واحد ولكنه صلى الله عليه وسلم يهاجر في تلك الليلة، وهكذا لم ينجح تبييتهم: { وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم.

. } [إبراهيم: 46]. أي: أنه سبحانه يعلم مكرهم. ويتابع سبحانه قائلا: ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ [إبراهيم: 46]. أي: اطمئن يا محمد، فلو كان مكرهم يزيل الجبال فلن ينالوك، والجبال كانت أشد الكائنات بالنسبة للعرب، فلو كان مكرهم شديدا تزول به الجبال، فلن يفلحوا معك يا رسول الله، ولن يزحزحوك عن هدفك ومهمتك. والحق سبحانه يقول:

لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون

[الحشر: 21]. وإذا كان مكرهم يبلغ من الشدة ما تزول به الجبال فاعلم أن الله أشد بأسا. ويقدم سبحانه من بعد ذلك حيثية عدم فاعلية مكرهم، فيقول: ﴿ فلا تحسبن الله مخلف... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩٤٢