تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14.29

وإذا قسنا جهنم بالمقرات فلن نجد من يرغب في أن تكون جهنم هي مقره لأن الإنسان يحب أن يستقر في المكان الذي يجد فيه راحة ولو لم يجد في هذا المكان راحة فهو يتركه. وجهنم التي يصلونها لن تكون المقر الذي يجدون فيه أدنى راحة لأن العذاب مقيم بها ولذلك يصفها الحق سبحانه بأنها: ﴿ وبئس القرار ﴾ [إبراهيم: 29]. فكأنهم ممسوكون بكلاليب فلا يستطيعون منها فكاكا. وهي تقول:

هل من مزيد

[ق:30]. وكأنهم قد عشقوا النار فعشقتهم النار، ولو كانت لديهم قدرة على أن يفروا منها لفعلوا، لكنهم مربوطون بها وهي مربوطة بهم وهي بئس القرار لأن أحدا لن يخرج منها إلا أن يشاء الله. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ وجعلوا لله أندادا ليضلوا... ﴾.

14.30

والند هو: المثل والمشابه. وهم قد اتخذوا لله شركاء وأي شريك اتخذوه لم يقل لهم عن النعم التي أسبغها عليهم ولم ينزل لهم منهجا. وهؤلاء الشركاء كانوا أصناما، أو أشجارا، أو الشمس، أو القمر، أو النجوم، ولم يقل كائن من هؤلاء: ماذا أعطى من نعم ليعبدوه؟ ونعلم أن العبادة تقتضي أمرا وتقتضي نهيا، ولم ينزل أي من هؤلاء الشركاء منهجا كي يتبعه من يعبدونهم ولا ثواب على العبادة ولا عقاب على عدم العبادة. ولذلك نجد أن مثل هؤلاء إنما اتجهوا إلى عبادة هؤلاء الشركاء لأنهم لم يأتوا بمنهج يلتزمون به. ولذلك نجد الدجالين الذين يدعون أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ويتصرفون مع من يصدقونهم من الأتباع، وكأنهم كائنات أرقى من النبي صلى الله عليه وسلم - والعياذ بالله منهم -. ومن العجيب أننا نجد بعضا من المثقفين وهم يتبعون هؤلاء الدجالين. وقد يبتعد عنه بسطاء الناس ذلك أن النفس الفطرية تحب أن تعيش على فطرة الإيمان أما من يأتي ليخفف من أحكام الدين فيهواه بعض ممن يتلمسون الفكاك من المنهج. وبذلك يجعل هؤلاء الأتباع من يخفف عنهم المنهج ندا لله - والعياذ بالله - ويضلون بذلك عن الإيمان. والحق سبحانه يقول هنا: ﴿ وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله.. ﴾ [إبراهيم: 30]. أي: ليضلوا غيرهم عن سبيل الله. وهناك قراءة أخرى لنفس الآية " ليضلوا عن سبيل الله " ، وأنت ساعة تسمع حدثا يوجد ليجيء حدث كنتيجة له، فأنت تأتي ب " لام التعليل " كقولك " ذاكر الطالب لينجح " هنا أنت لم تأت بفعل ونقيضه. وهل كانوا يضلون أنفسهم؟ لا، بل كانوا يتصورون أنهم على هدى واستقامة، وهذه تسمى " لام العاقبة " وهي تعني أنه قد يحدث بعد الفعل فعل آخر كان واردا. وهذه تسمى " لام تعليلية ". ولكن قد يأتي فعل بعد الفعل ولم يكن صاحب الفعل يريده كما فعل فرعون حين التقط موسى عليه السلام من الماء ليكون ابنا له ولكن شاء الحق سبحانه أن يجعله عدوا. وساعة التقاط فرعون لموسى لم يكن فرعون يريد أن يكبر موسى ليصبح عدوا له ولكنها مشيئة الله التي أرادت ذلك لتخطئة من ظن نفسه قادرا على التحكم في الأحداث، بداية من ادعاء الألوهية، ومرورا بذبح الأطفال الذكور، ثم يأتي التقاطه لموسى ليكون قرة عين له فينشأ موسى ويكبر ليكون عدوا له!! ويتابع الحق سبحانه: ﴿ قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ﴾ [إبراهيم: 30]. وهذا أمر من الله لمحمد أن يقول لهم: تمتعوا. وهذا أمر من الله. والعبادة أمر من الله ، فهل إن تمتعوا يكونون قد أطاعوا الله؟ وهنا نقول: إن هذا أمر تهكمي، ذلك أن الحق سبحانه قال من بعد ذلك: ﴿ فإن مصيركم إلى النار ﴾ [إبراهيم: 30].

وعلى هذا نجد أن الأمر إما أن يراد به إنفاذ طلب، وإما أن يراد به الصد عن الطلب بأسلوب تهكمي. ونجد في قول الإمام علي - كرم الله وجهه - قولا يشرح لنا هذا: " لا شر في شر بعده الجنة، ولا خير في خير بعده النار ". فمن يقول: إن التكاليف صعبة عليه أن يتذكر أن بعدها الجنة، ومن يرى المعاصي والكفر أمرا هينا، عليه أن يعرف أن بعد ذلك مصيره إلى النار فلا تعزل المقدمات عن الأسباب، ولا تعزل السبب عن المسبب أو المقدمة عن النتائج. فالأب الذي يجد ابنه يلاحق المذاكرة في الليل والنهار ليبني مستقبله قد يشفق عليه، ويسحب الكتاب من يده، ويأمره أن يستريح كل لا يقع في المرض فيصبح كالمنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى، ولكن الولد يرغب في مواصلة الجهد ليصل إلى مكانة مشرفة. وهنا نجد أن كلا من الأب والابن قد نظرا إلى الخير من زوايا مختلفة ولذلك قد يكون اختلاف النظر إلى الأحداث وسيلة لالتقاءات الخير في الأحداث. وهم حين يسمعون قول الحق سبحانه: ﴿ قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ﴾ [إبراهيم: 30]. قد يستبطئون الأحداث ويقول الواحد منهم إلى أن يأتي هذا المصير: قد نجد حلا له. ونقول: فليتذكر كل إنسان أن الأمر المعلق على غير ميعاد محدد قد يأتي فجأة فمن يعيش في معصية إلى عمر التسعين هل يظن أنه سيفر من النار. إنه واهم يخدع نفسه، ذلك أن إبهام الله ليمعاد الموت هو أعنف بيان عنه. وما دام المصير إلى النار فلا متعة في تلك الحياة. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩١٧