تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14.42

وبعد أن ذكر الحق سبحانه وأوضح النعم العامة على الكون، والنعم الخاصة التي أنعم بها سبحانه على من توطنوا مكة، ومن نسلهم من وقف ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف العنت، بعد ذلك جاء الحق سبحانه بهذه الآية تعزية وتسرية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون.. ﴾ [إبراهيم: 42]. وأرضية التصوير التي سبقتها تشتمل بداية التكوين لهذا المكان الذي وجدوا به، وكيفية مجيء النعم إلى من توطنوا هذا المكان حيث تجيء إليهم الثمرات، ونعمة المهابة لهم حيث يعصف سبحانه بمن يعاديهم كأبرهة ومن معه.

فجعلهم كعصف مأكول

[الفيل: 5]. حيث يقول سبحانه من بعد هذه الآية مباشرة:

لإيلاف قريش* إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف

[قريش: 1-4]. ورغم ذلك وقفوا من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف الإنكار والتعنت والتصدي والجحود، وحاولوا الاستعانة بكل خصوم الإسلام ليحاربوا هذا الدين ولذلك يوضح الحق سبحانه هنا تسرية عن الرسول الكريم. ﴿ ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون.. ﴾ [إبراهيم: 42]. لماذا؟ وتأتي الإجابة في النصف الثاني من الآية: ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ [إبراهيم: 42]. وقوله الحق: ﴿ ولا تحسبن.. ﴾ [إبراهيم: 42]. أي: لا تظنن فحسب هنا ليست من الحساب والعد، ولكنها من " حسب " " يحسب " وقوله الحق الذي يوضح هذه المسألة:

أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون

[العنكبوت: 2]. أي: أظن الناس. فحسب يحسب ليست - إذن - من العد ولكن من الظن. والحسبان نسبة كلامية غير مجزوم بها ولكنها راجحة. والغفلة التي ينفيها سبحانه عنه هي السهو عن أمر لعدم اليقظة أو الانتباه، وطبعا وبداهة فهذا أمر لا يكون منه سبحانه، فهو القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. وهنا يخاطب الحق سبحانه رسوله والمؤمنين معه تبعا فحين يخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم فهو يخاطب في نفس الوقت كل من آمن به. ولكن، أكان الرسول يظن الله غافلا؟ لا، ولنلحظ أن الله حين يوجه بشيء فقد يحمل التوجيه أمرا ينفذه الإنسان فعلا ويطلب الله منه الاستدامة على هذا الفعل. والمثل: حين تقول لواحد لا يشرب الخمر " لا تشرب الخمر " وهو لا يشرب الخمر فأنت تطالبه بقولك هذا أن يستمر في عدم شرب الخمر، أي: استمر على ما أنت عليه، فعلا في الأمر، أو امتناعا في النهي. وهل يمكن أن تأتي الغفلة لله؟ وأقول: حين ترى صفة توجد في البشر ولا توجد في الحق سبحانه فعليك أن تفسر الأمر بالكمالات التي لله.

والذي يفعل ظلما سيتلقى عقابا عليه، وحين يتأخر العقاب يتساءل الذين رأوا فعل الظلم فهم يتهامسون: ترى هل تم نسيان الظلم الذي ارتكبه فلان؟ هل هناك غفلة في الأمر؟ وهم في تساؤلاتهم هذه يريدون أن يعلنوا موقفهم من مرتكب الذنب وضرورة عقابه، وعلى ذلك نفهم كلمة: ﴿ غافلا ﴾ [إبراهيم: 42]. في هذه الآية بمعنى " مؤجل العقوبة ". ولمن يتساءلون عليهم أن يتذكروا قول الحق سبحانه:

وأملي لهم إن كيدي متين

[الأعراف: 183]. وعلى ذلك فليست هناك غفلة ولكن هناك تأجيل للعقوبة لهؤلاء الظالمين ذلك أن الظلم يعني أخذ حق من صاحبه وإعطاءه للغير أو أخذه للنفس. وإذا كان الظلم في أمر عقدي فهو الشرك وهو الجريمة العظمى، وإن ظلمت في أمر كبيرة من الكبائر فهذا هو الفسق، وإن ظلمت في صغيرة فهو الظلم. ولذلك نجد الحق - سبحانه وتعالى - يورد كل حكم يناسب الثلاثة مواقف فيقول عن الذي تغاضى عن تجريم الشرك:

ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون

[المائدة: 44]. ويقول عن تجريم كبيرة من الكبائر:

ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩٣٦