14.8
وقد قال موسى ذلك كي لا يظن ظان من قومه أن الله في حاجة إلى شكرهم وأنه سيعاقبهم بالعذاب إن كفروا بشكره فأراد أن ينسخ هذا الظن من أذهان من يسمعونه. وأوضح لهم أن الحق سبحانه لن يزيده إيمانكم شيئا ولن يضيف هذا الإيمان منهم ومعهم أهل الأرض كلهم لملكه شيئا لأن ملك الله إنما أبرزه سبحانه بصفات الكمال فيه، وهو ناشىء عن كمال موجود. ولذلك يأتي قوله الحق: ﴿ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود... ﴾.
14.9
وهذه الآية الكريمة أعطتنا تفسيرا لقوله سبحانه:
وإن من أمة إلا خلا فيها نذير
[فاطر: 24]. وكذلك قوله سبحانه:
ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك..
[غافر: 78]. ونعلم أن الحق سبحانه قد أوحى لموسى - عليه السلام - أن يبلغ قومه بقصص بعض من الأنبياء السابقين عليه. وهذا واضح في قوله الحق: ﴿ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود.. ﴾ [إبراهيم: 9]. ويقول سبحانه عن القوم الذين جاءوا من بعد ذلك: ﴿ والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جآءتهم رسلهم بالبينات.. ﴾ [إبراهيم: 9]. أي: أن الرسل قد حملوا منهج الله، وكذلك المعجزات الدالة على صدقهم لمن جاءوا من بعد ذلك. والبينات إما أن تكون المعجزات الدالة على صدقهم أو: هي الآيات المشتملة على الأحكام الواضحة التي تنظم حركة حياتهم لتسعدهم. ولكن هل قبلت تلك الأقوام تلك البينات؟ لا، لأن الحق سبحانه يقول عنهم: ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بمآ أرسلتم به.. ﴾ [إبراهيم: 9]. وهكذا نرى أن الكافرين هم من وضعوا أيديهم على أفواههم، وإما أنهم عضوا على الأيدي بالنواجذ لأنهم لم يطيقوا تطبيق منهج الله ولم يستطيعوا التحكم في أنفسهم. أو: أنهم ردوا أيديهم إلى أفواههم بمعنى أن قالوا للرسل: " هس " ، أصمتوا ولا تتكلموا بما جئتم به من بلاغ. أو: أن بعضهم قال للرسل " لا فائدة من كلامكم في هؤلاء ". والثراء في القرآن يتحمل كل هذه المعاني والآية تتسق فيها كل تلك المعاني فالعبارة الواحدة في القرآن تكون شاملة لخيرات تناسب كمالات الله، وستظل كمالات القرآن موجودة يظهر بعضها لنا وقد لا ندرك البعض الآخر إلى أن يعلمنا بها الله يوم القيامة. ويأتي قولهم: ﴿ إنا كفرنا بمآ أرسلتم به.. ﴾ [إبراهيم: 9]. ليكشف لنا غباءهم، فهم يعترفون بأن هؤلاء رسل من السماء، وفي نفس الوقت ينكرون المنهج، ويعلنون هذا الإنكار، يكشف لنا ذلك قوله تعالى: ﴿ وإنا لفي شك مما تدعوننآ إليه مريب ﴾ [إبراهيم: 9]. أي: أنهم أعلنوا رأيهم في المنهج، وقالوا: إنهم محيرون ويشكون في هذا المنهج. ويأتي القرآن برد الرسل في قول الحق سبحانه: ﴿ قالت رسلهم أفي الله شك فاطر... ﴾.