14.33
والشمس آية نهارية والقمر آية ليلية، والماء الذي نشربه له علاقة بالشمس والتي تبخره من مياه البحار ونروي به أيضا الأرض التي تنتج لنا الثمار أما البحار فحساب كل ما يجري فيها يتم حسب التقويم القمري. وهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم كل ذلك وهو النبي الأمي؟ طبعا لم يكن ليعلم، بل أنزل الحق سبحانه عليه القرآن يضم حقائق الكون كلها. وقول الحق سبحانه عن الشمس والقمر " دائبين " من الدأب، والدؤوب هو مرور الشيء في عمل رتيب، ونقول " فلان دءوب على المذاكرة " أي: أنه يبذل جهدا منظما رتيبا لتحصيل مواده الدراسية، ولا يبدد وقته. وكذلك الشمس والقمر اللذان أقام الحق سبحانه لهما نظاما دقيقا. وعلى سبيل المثال نحن نحسب اليوم بأوله من الليل ثم النهار ونقسم اليوم إلى أربع وعشرين ساعة ولذلك قال الحق سبحانه:
الشمس والقمر بحسبان
[الرحمن: 5]. وقال أيضا:
والشمس والقمر حسبانا..
[الأنعام: 96]. أي: أنك أيها الإنسان ستجعل من ظهور واختفاء أي منهما حسابا. وقد جعلهما الحق سبحانه على دقة في الحركة تيسر علينا أن نحسب بهما الزمن، فلا اصطدام بينهما، ولكل منهما فلك خاص وحركة محسوبة بدقة فلا يصطدمان. ولا يشبهان بطبيعة الحال الساعات التي نستخدمها وتحتاج إلى ضبط. وكلما ارتقينا في صناعة نجد اختراعاتنا فيها تقربنا من عمق الإيمان بالخالق الأعلى. وفي نفس الآية يقول الحق سبحانه: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ [إبراهيم: 33]. وبما أن الشمس آية نهارية والقمر آية ليلية، والنهار يسبق الليل في الوجود بالنسبة لنا. كان مقتضى الكلام أن يقول: سخر لكم النهار والليل. ولكن الحق سبحانه أراد أن يعلمنا أن القمر وهو الآية الليلية ويسطع في الليل والليل مخلوق للسكون لكن هذا السكون ليس سببا لوجود الإنسان على الأرض بل السبب هو أن يتحرك الإنسان ويستعمر الأرض ويكد ويكدح فيها. لذلك جعل استهلال الشمس أولا والقمر يستمد ضوءه منها ثم جاء بخبر الليل وخبر النهار، فكأن الله قد اكتنف هذه الآية بنورين. النور الأول: من الشمس. والنور الثاني: من القمر، كي يعلم الإنسان أن حياته مغلفة تغليفا يتيح له الحركة على الأرض، فلا تظنن أيها الإنسان أن الأصل هو النوم! ذلك أنه سبحانه قد خلق النوم لترتاح ثم تصحو لتكدح. ونلحظ أن كلمة " التسخير " تأتي للأشياء الجوهرية، وتأتي للمسخرات أيضا، فالحيوان مسخر لنا، وكذلك النبات والسماء مسخرة بما فيها لنا، أما الليل والنهار فهما نتيجتان لجواهر هما الشمس والقمر والليل والنهار مسببان عن شيئين مباشرين هما: الشمس والقمر. والتسخير - كما نعلم - هو منع الاختيار. وإذا ما سخر الحق سبحانه شيئا فلنعلم أنه منضبط ولا يتأتى فيه اختلال، ولكن الكائن غير المسخر هو الذي يتأتى فيه الاختلال ذلك أنه قد يسير على جادة الصواب، أو قد يخطيء.
وفي مسألة التسخير والاختيار تعب الفلاسفة في دراستها وذهبت المذاهب الفلسفية - وخصوصا في ألمانيا - إلى مذهبين اثنين ظاهرهما التعارض ولكنهما يسيران إلى غاية واحدة وهي تبرير الإلحاد. وكان من المقبول أن يكون مذهب يبرر الإلحاد، وأن يبرر الآخر الإيمان، ولكن شاء فلاسفة المذهبين أن يبرروا الإلحاد. وقال فلاسفة أحد المذهبين: أنتم تقولون إن الكون تديره قوة قادرة حكيمة وأن كل ما فيه منضبط بتصرفات محسوبة ودقيقة. ولكن الواقع يقول: إن هناك بعضا من المخالفات التي نراها في الكائنات، والمثل هو تلك الشذوذات التي في الإنسان - على سبيل المثال - فهناك القصير أكثر من اللازم وهناك الطويل أكثر من اللازم وهناك من يولد بعين واحدة وهناك من يولد بذراع عاجز ولو أن القوة التي تدير الكون حكيمة لما ظهرت أمثال تلك الشذوذات. ونرد على صاحب تلك النظرية قائلين: وإذا لم يكن هناك إله، أتستطيع أن تقول لنا الحكمة من وراء وجود تلك الشذوذات؟ فأنت تدفع الحكمة عن الخالق الذي نؤمن به فهل تستطيع أنت إثبات الحكمة لغيره؟ طبعا لن يستطيع أن يرد عليك لأن كلامه مردود. ثم نأتي للمدرسة المقابلة التي تقول: إن النظام الموجود بالكون يدل على أنه لا يوجد له خالق فهو نظام ثابت آلي ولا يوجد إله قادر على أن يقلب آلية هذا الكون. وهكذا كانت هاتان المدرستان مختلفتين ومتعارضتين ولكنهما يؤديان إلى الإلحاد. ونرد على المدرستين قائلين: يا من تأخذ ثبات النظام دليلا على وجود إله فهذا الثبات موجود في الكون الأعلى. ويا من تأخذ الشذوذ دليلا على وجود خالق فهو موجود في الكائنات الأدنى ولو حدث الشذوذ في الكائنات الأعلى لفسدت السماوات والأرض. وقد شاء الحق سبحانه أن يوجد الشذوذ لوجه في الأفراد فواحد يكون شاذا والباقي الغالب يكون سليما. وهكذا يكون الشذوذ في الأفراد غير مانع لقضية وجود خالق أعلى، وإذا أردت ثبات النظام فانظر إلى الكون الأعلى كي تعلم أنه لا يوجد للإنسان مدخل في هذا الأمر. وهكذا نجد أن الحق سبحانه قد سخر لنا الليل والنهار وهما من الأعراض الناتجة عن تسخير الشمس والقمر وكلا من الشمس والقمر دائبين، يمشي كل منهما في حركته مشيا لا تنقطع فيه رتابة العادة. ونضبط أوقاتنا على هذا النظام الرتيب الدقيق، فنحدد - على سبيل المثال - أوائل الفصول ومواسم الزراعة ومواقيت الصلاة. وإذا نظرت إلى أي اختلال قد ينشأ من بعض الظواهر فاعلم أن ذلك قد نشأ من تدخل الإنسان المختار المستخلف في الأرض والمثال هو مشكلة ثقب طبقة الأوزون الموجودة في الغلاف الجوي، والتي قد نشأت من تجاربنا التي نلهث فيها من أجل تحسين حياتنا على الأرض.