تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14.6

وهكذا نجد الحق سبحانه وقد جاء بنموذج من أيام معاناتهم من جبروت فرعون، وكيف خلصهم سبحانه من هذا الجبروت، وكان فرعون يسلط عليهم أقسى ألوان العذاب، ف " سام " الشيء أي: طلبه و " سام سوء العذاب " أي: طلب العذاب السيء. وقد ذبح فرعون أبناءهم الذكور، ولم يذبح الإناث لتصبح النساء بلا عائل ويستبيحهن، وفي هذا نكاية شديدة. ووقف بعض المستشرقين عند هذه الآية، وقالوا: لقد تعرض القرآن من قبل لهذه الآية في سورة البقرة حين قال:

وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم

[البقرة: 49]. فهل هذه الآية في سورة إبراهيم هي البليغة، أم الآية التي في سورة البقرة خصوصا وأن الفرق بينهما هو مجيء " الواو " كحرف عطف على ذبح الأبناء باستباحة النساء؟ وأضاف هذا المستشرق: ولسوف أتنازل عن النظر إلى ما جاء في سورة الأعراف حين قال القرآن:

وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم

[الأعراف: 141]. وبطبيعة الحال، فهذا المستشرق لم يأخذ فهم القرآن عن ملكة عربية، ذلك أنه لو كان قد امتلك هذه القدرة على الفهم لعرف أن الكلام لم يصدر في الآيات عن مصدر واحد، بل صدر عن مصدرين. ففي آية سورة البقرة كان المصدر المتكلم هو الله سبحانه ولذلك قال:

نجيناكم..

[البقرة: 49]. ولكن المصدر المتكلم في سورة إبراهيم هو موسى عليه السلام لم يقل أنه هو الذي أنجاهم بل يعدد النعم التي من الله بها عليهم ويمتن بها عليهم. وعلة ذلك أن العظيم حين يمتن على غيره لا يمتن إلا بالعظائم، أما دون العظيم فقد يمتن بما دون ذلك. وأسوق هذا المثل لمزيد من الإيضاح لا للتشبيه فسبحانه منزه عن التشبيه، وأقول: هب أن إنسانا غنيا له أخ رقيق الحال، وقد يمد الغني أخاه الفقير بأشياء كثيرة، وقد يعتني بأولاده ويقوم برعايته ورعاية أولاده رعاية كاملة. ويأتي ابن الفقير ليقول لابن الغني: لماذا لا تسألون عنا؟ فيقول ابن الغني: ألم يأت أبي لك بهذا القلم وتلك البذلة، بالإضافة إلى الشقة التي تسكنون فيها؟ ولكن العم الغني يكتفي بأن يقول: أنا أسأل عنكم، بدليل أني أحضرت لكم الشقة التي تسكنون فيها. إذن: فالكبير حقا هو الذي يذكر الأمور الكبيرة، أما الأقل فهو من يعدد الأشياء. وهنا يصف الحق سبحانه سوم العذاب وذبح الأبناء بالبلاء العظيم في قوله تعالى: ﴿ ذلكم بلاء من ربكم عظيم ﴾ [إبراهيم: 6]. وهكذا نرى مظهرية الخير التي من الله بها عليهم، وهي الإنجاء من ذبح الأبناء واستباحة النساء وكان ذلك نوعا من مظهرية الشر. وهذا ابتلاء صعب. وسبق أن أوضحنا أن البلاء يكون بالخير أو بالشر، فقد قال سبحانه:

ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون

[الأنبياء: 35]. فلا الخير دليل تكريم، ولا الشر دليل إهانة فهو القائل:

فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن

[الفجر: 15-16]. فالابتلاء في الأصل هو الامتحان إما أن تنجح فيه أو ترسب ولذلك فهو غير مذموم إلا بالنتيجة التي يؤول إليها. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨٩٤