14.34
نعم، أعطانا الحق سبحانه مما نسأل وقبل أن نسأل، وأعد الكون لنا من قبل أن نوجد. إذن: فسبحانه قد أعطانا من قبل أن نسأل وسبقت النعمة وجود آدم عليه السلام، واستقبل الكون آدم، وهو معد لاستقباله. وإذا نظرت للفرد منا ستجد أن نعم الله عليه قد سبقت من قبل أن نعرف كيف نسأله، والمثل هو الجنين في بطن أمه. وهنا قال الحق سبحانه: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه.. ﴾ [إبراهيم: 34]. يعني: أنه قد أعطاك ما تسأله وما لم تسأله، نطقت به أو لم تنطق، ولو بحديث النفس أو خواطر خافية، وأنك قد تقترح وتطلب شيئا فهو يعطيه لك. وقد يسأل البعض من باب الرغبة في التحدي - ولله المثل الأعلى - نجد بعض البشر ممن أفاء الله عليهم بجزيل نعمه ويقول الواحد منهم: قل لي ماذا تطلب؟ وقد حدث معي ذلك ونحن في ضيافة واحد ممن أكرمهم الله بكريم عطائه، وكنا في رحلة صحراوية بالمملكة العربية السعودية، وقال لي: أطلب أي شيء وستجده بإذن الله حاضرا. وفكرت في أن أطلب ما لا يمكن أن يوجد معه، وقلت: أريد خيطا وإبرة، فما كان رده إلا " وهل تريدها فتلة بيضاء أم حمراء؟ ". وإذا كان هذا يحدث من البشر فما بالنا بقدرة الله على العطاء؟ ومن حكمة الله سبحانه أنه قال: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه.. ﴾ [إبراهيم: 34]. ذلك أن وراء كل عطاء حكمة، ووراء كل منع حكمة أيضا، فالمنع من الله عين العطاء، فالحق سبحانه منزه عن أن يكون موظفا عندك، كما أن الحق سبحانه قد قال:
ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير..
[الإسراء: 11]. ولذلك قال: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه.. ﴾ [إبراهيم: 34]. أي: بعض مما سألتموه، ذلك أن هناك أسئلة حمقاء لا يجيبكم الله عليها مثل قول أي امرأة يعاندها ابنها " يسقيني نارك " هذه السيدة لو أذاقها الله نار افتقاد ابنها ماذا سوف تفعل. إذن: فمن عظمته سبحانه أن أعطانا ما هو مطابق للحكمة ومنع عنا غير المطابق لحكمته سبحانه، فالعطاء نعمة، والمنع نعمة أيضا، ولو نظر كل منا لعطاء السلب لوجد فيه نعما كثيرة. ويقول سبحانه:
سأوريكم آياتي فلا تستعجلون
[الأنبياء: 37]. لذلك فلا يقولن أحد: " قد دعوت ربي ولم يستجب لي " وعلى الإنسان أن يتذكر قول الحق سبحانه:
ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان الإنسان عجولا
[الإسراء: 11]. فهو سبحانه من يملك حكمة العطاء وحكمة المنع. ولا أحد منا يستطيع أن يعد نعم الله. والعد - كما نعلم - هو حصر لمفردات جمع أو جزئيات كل. ويعلم أهل العلم بالمنطق - ونسميهم المناطقة - أن هناك " كلي " يقابله " جزئي، وهناك " كل " يقابله " جزء.
والمثل على " الكلي " الإنسان حيث إننا جميعا مكونين من عناصر متشابهة ومفرد البشر يختلف باختلاف الأسماء أما ما يسمى " كل " فالمثل عليه هو الكرسي، وهو مكون من مواد مختلفة كالخشب والمسامير والغراء، ولا يمكن أن نطلق على الخشب فقط كلمة كرسي وكذلك لا نستطيع أن نسمي " المسامير " بأنها كراسي. وعلى هذا نكون قد عرفنا أن حقيقة الكلي أن مفرداته متطابقة وإن اختلفت أسماؤها، لكن حقيقة الكل أن مفرداته غير متشابهة، وتختلف في حقيقتها. وإذا أردت أن تحصي الكلي فأنت تنطق أسماء الأفراد كأن تقول: محمد وأحمد وعلي وهذا ما يسمى عدا، وهكذا نفهم أن العد هو إحصاء جزئيات الكلي، أو إحصاء أجزاء الكل. ونعلم أنهم قد سموا العد إحصاء لأنهم كانوا يعدون الأشياء قديما بالحصى وأطلقت كلمة الإحصاء على مطلق العد حسابا للأصل، وعرف عدد أجزاء الكلي أو الكل. وكان الإنسان في العصور القديمة يعد - على سبيل المثال - إلى رقم " مائة " ، ثم يحسب كل مائة بحصاة واحدة فإذا تجمع لديه عشر حصوات عرف أن العدد قد صار ألفا، ومن هنا جاءت كلمة الإحصاء، وفي كثير من أمور عصرنا المتقدم ما زلنا نسمي بعض الأشياء بمسميات قديمة فنحسب قوة السيارة بقوة الحصان. وأنت إذا نظرت إلى قول الحق سبحانه: ﴿ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. ﴾ [إبراهيم: 34]. ستجد الكثير من المعاني، ولكن من يحاولون التصيد للقرآن يقولون: إن هذا أمر غير دقيق فما دام قد حدث العد فكيف لا يتم الإحصاء؟ وهؤلاء ينسون أن المقصود هنا ليس العد في ذاته ولكن المقصود هو إرادة العد. ولو وجدت الإرادة فليس هناك قدرة على استيعاب نعم الله، ومن هنا لا نرى تعارضا في آيات الله، وإنما هو نسق متكامل، فأنت لا تقبل على عد أمر إلا إذا كان غالب الظن أنك قادر على العد، وذلك إذا كان في إمكان البشر، ولكن نعم الله فوق طاقة مقدور البشر. والمثل أيضا على مسألة إرادة الفعل يمكن أن نجده في قوله الحق: