تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنآ أن نعود فيهآ إلا أن يشآء الله ربنا...

[الأعراف: 89]. وفي هذا القول ضراعة إلى المنعم علينا بنعمة الإيمان وفي هذا القول الكريم أيضا إيضاح لطلاقة قدرة الحق سبحانه. ونلحظ أن الحق سبحانه قد قال هنا:

واجنبني وبني أن نعبد الأصنام

[إبراهيم: 35]. والصنم غير الوثن، فالمشكل بشكل إنسان هو الصنم أما قطعة الحجر فقد والتي خصها بعض من أهل الجاهلية بالعبادة فهو الوثن. وهناك من أراد أن يخرج بنا من هذا المأزق فقال: إن الكفر نوعان. شرك جلي وشرك خفي. والشرك الجلي أن يعبد الإنسان أي كائن غير الله والشرك الخفي أن يقدس الإنسان الوسائط بينه وبين الله، ويعطيها فوق ما تستحق، وينسب لها بعضا من قدرات الله. ودعاء إبراهيم عليه السلام أن يجنبه وبنيه أن يعبدوا الأصنام يقتضي منا أن نفهم معنى كلمة أبناء ذلك أن إبراهيم قصد بالدعاء بنية الذين يصلون إلى مرتبة الرسالة والنبوة مثله ذلك أننا نعلم أن بعضا من بنية قد عبدوا الأصنام والأوثان. ومعنى كلمة " أبناء " أوضحه سبحانه في مواطن أخرى. ونبدأ من قوله:

وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن..

[البقرة: 124]. أي: بعد أن أخبر الله إبراهيم، وكلفه بالمهام التي كلفه الله سبحانه وتعالى بها على وجه التمام أمنه الحق على أن يكون إماما فقال سبحانه:

إني جاعلك للناس إماما..

[البقرة: 124]. أي: أن حيثية الإمامة هي أداء إبراهيم عليه السلام لكل مهمة بتمامها وبدقة وأمانة، وإذا كان هذا هو دستور الله في الخلق فلا بد لنا من أن نتخلق بأخلاق الله. وعلينا ألا نختار أي إنسان لأية مهمة ليكون إمامها، إلا أن كان كفء لها ويحسن القيام بها. ولنتذكر قوله صلى الله عليه وسلم:

" إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة "

قال السائل له عن موعد قيام الساعة: وكيف إضاعتها؟ قال:

" إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ".

ذلك أن إسناد أي أمر لغير أهله إنما هو إفساد في الوجود، لأن الأصل في إسناد أي أمر لأي إنسان أن يكون بهدف أن يقوم بالأمر كما يجب، فإذا كان الاختيار سيئا فسيكون هذا الإنسان أسوة في السوء وتنتقل منه عدوى عدم الإتقان إلى غيره ويتفشى السوء في المجتمع، أما إذا تولى الأمر من هو أهل له فالموقف يختلف تماما، فوضع الإنسان في مكانه اللائق، تعتدل به موازين العدل، وفي اعتدال الميزان استقرار للزمان والمكان والإنسان. والمثل على ذلك: أن الأولاد الذين تربوا في السعودية ورأوا أن يد السارق تقطع لم نجد منهم من يسرق لأنهم تربوا على أن السارق تقطع يده، وفهموا أن الحق سبحانه لحظة أن يضع عقوبة قاسية فليس هذا إذن بأن تقع الجريمة بل ألا تقع الجريمة. وحين يتساءل من يدعون التحضر: كيف يقول القرآن:

لا إكراه في الدين..

[البقرة: 256]. وحين تجدون من يخرج عن الدين تقبضون عليه، وينادي البعض بإعدامه؟ ولهؤلاء أقول: وهل هذا الأمر يحسب على الإسلام أم لصالح الإسلام؟ إنه لصالح الإسلام، ذلك أن مثل هذا الحرص على كرامة الدين يهيب الناس أن يدخلوا الدين إلا بعد الإقناع المؤدي لليقين، واليقين هو الوصول إلى الدين الحق مصحوبا بدليل. يقول الحق سبحانه:

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق..

[فصلت: 53]. بهذا نعلم أن دخول الإسلام سيكلفه حياته لو أراد أن يخرج منه، لأنه خرج من اليقين الذي دخله بالدليل. وحين دعا إبراهيم - عليه السلام - ربه: ﴿ رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ﴾ [إبراهيم: 35]. كان قد نجح في اختبار الله له، ونجح في أداء ما أسند إليه تماما وشاء له الحق سبحانه أن يكون إماما، واستشرف إبراهيم عليه السلام أن تكون الإمامة في ذريته فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩٢٩