تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[محمد: 38]. ويقول في قضية إنكار اليهود لطريقة ميلاد المسيح عيسى بن مريم:

ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون * وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون * إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل * ولو نشآء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون

[الزخرف: 57-60]. إذن: فطلاقة قدرة الله التي خلقته بلا أب، يمكن أن تفعل تلك القدرة المطلقة ما تشاء، فلا شيء يتأبى على مرادات الحق ولا على قدراته. ويقول في موقع آخر:

فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون * على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين

[المعارج: 40-41]. فلا أحد يسبق إرادة الله أو مشيئته. ويقول الحق سبحانه مؤكدا أن قدرته على المجيء بخلق جديد ليست مسألة مستحيلة: ﴿ وما ذلك... ﴾.

14.20

والشيء العزيز هو الشيء الممتنع. والله سبحانه لا يغلب. وقد بين لنا في جزئيات الحياة أنه يذهب بنبات ويأتي بنبات آخر، ويذهب بحيوان ويأتي بحيوان آخر وكذلك يذهب بالجماعة من البشر ويأتي بغيرهم. ويقول سبحانه بعد ذلك: ﴿ وبرزوا لله جميعا... ﴾.

14.21

والبروز أن يظهر شيء كان خفيا. ويقال " رجل بارز " أي: مرموق وقيد الأبصار، ولا تفتح الدنيا إلا عليه، ويقال " امرأة بارزة " أي: امرأة تختلط بالرجال وغير مستترة. ويقول سبحانه:

وترى الأرض بارزة..

[الكهف: 47]. أي: سيرى كل منا كل الأرض في اليوم الآخر وهي مكتملة لا جزء منها فقط كما يحدث في حياتنا الدنيوية ذلك أن الحق سبحانه قد قال لنا:

فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد

[ق: 22]. ويقال أيضا " فرس بارز " وهو ما يطلق على الحصان الذي يفوز عند التسابق مع غيره ولا يستطيع فرس آخر أن يسبقه لذلك فهو فرس تراه العين أثناء السباق بوضوح. ونعلم أن الخيل في لحظات السباق تثير أثناء تسابقها غبارا - أي: ترابا يضبب المرئيات - فلا يرى أحد تفاصيل الموقع الذي تجري فيه الخيول أما إذا ظهر فرس يسبق الجميع فلا خيول أخرى قريبة منه تثير غبارا يمنع رؤيته بارزا واضحا. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ وبرزوا لله جميعا.. ﴾ [إبراهيم: 21]. ولقائل أن يسأل: وهل كانت هناك أشياء خافية عنه سبحانه ثم برزت؟ ونقول: إنه سبحانه منزه أن تخفى عنه خافية في الأرض أو السماء أو الكون كله، ولكن المقصود هنا أنهم يبرزون عند أنفسهم، ويرون وجودهم واضحا أمام الحق سبحانه. وهم من قبل كانوا:

يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا

[النساء: 108]. وكانوا قد ظنوا أنهم قادرون على أن يخفوا عن ربهم ما كانوا يفعلون ويبيتون ويمكرون ونجدهم يوم القيامة مفضوحين أمام خالقهم حكمهم في ذلك حكم كل الخلق. أو: برز كل واحد منهم أمام نفسه، ورأى نفسه أمام الله. ونعلم أنه سبحانه قد خلق الخلق على لونين لون مقهور فيه الإنسان، ولا إرادة له: ولون مخير فيه الإنسان، ونسبة ما منح فيه الإنسان الاختيار قليل، إذا ما قيس بما ليس له في اختيار. وقد شاء الحق سبحانه ذلك لأنه علم أزلا أن الإنسان الذي تعود على أن يتمرد على الله فهو يوضح له: أنت قد ألفت التمرد وقول " لا " ، وقد تجاهر بالكفر، وتحارب من أجله، وتريد أن تخرج عن مرادات الحق فإن كنت صادقا في أن هذا الخروج ذاتي فيك فتمرد على القهريات التي تنتابك. ويعلم الإنسان بالتجربة أنه غير قادر على ذلك فلا الفقير يستطيع أن يثرى دون مشيئة الله والمريض لا يستطيع أن يشفى دون مشيئة الله والضعيف لا يستطيع أن يقوى ضد إرادة الله. وكل هذا يدل على أن ملكية الله لك لا تزال بالقهر فيك وسيأتي يوم يسلب منك الاختيار.

لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

[غافر: 16]. وأنت تبرز بكل تكوينك لحظتها أمام نفسك، وتجد الحق سبحانه أمامك. وأنت إما أن تكون بارزا بكل تكويناتك أمام نفسك لحظة وقوفك أمام خالقك، أو يكون المقصود بقوله الحق وقوف كل الخلق أمامه بارزين، سواء أكانوا تابعين أو متبوعين. ولحظتها سنجد قوله الحق مطبقا. ﴿ فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا.. ﴾ [إبراهيم: 21]. وهكذا نرى أن هناك حوارا بين اثنين من البشر نوع مستكبر، وهم القادة السادة الذين يلقون أوامرهم لينفذها الضعاف، ثم يفاجأ الضعاف التابعون أن رؤوسهم تساوت في اليوم الآخر مع هؤلاء الأقوياءالجبابرة ويرون ما ينتظرهم جميعا من عذاب فيسأل الضعاف أهل الجبروت: ﴿ فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ﴾ [إبراهيم: 21]. وهؤلاء المستكبرون سبق لهم أن استكبروا على هؤلاء الضعاف بما لهم من قوة وسيادة، أو استكبروا على الرسل إيمانا كما أوضح الحق سبحانه في موقع آخر من القرآن:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩٠٥