14.52
وهذه الآية هي مسك الختام لسورة إبراهيم، ذلك أنها ركزت الدعوة بلاغا صدر عن الله ليبلغه لرسوله الذي أيد بالمعجزة ليحمل منهج الحياة للإنسان الخليفة في الأرض. وإذا ما صدرت قوانين حركة الحياة للإنسان الخليفة في الأرض المخلوق لله، وجب ألا يتزيد عليها أحد بإكمال ولا بإتمام لأن الذي خلق هو الذي شرع، وهذه مسألة يجب أن تكون على ذكر من بال كل إنسان مكلف. وحين تقرأ هذا القول الحكيم: ﴿ هذا بلاغ للناس.. ﴾ [إبراهيم: 52]. تجد أنه يحمل إشارة إلى القرآن كله ذلك أن حدود البلاغ هو كل شيء نزل من عند الله. وقول الحق سبحانه: ﴿ هذا بلاغ للناس.. ﴾ [إبراهيم: 52]. قد أعطانا ما يعطيه النص القانوني الحديث، ذلك أن النص القانوني الحديث يوضح أنه لا عقوبة إلا بنص يجرم الفعل، ولا بد من إعلان النص لكافة الناس ولذلك تنشر القوانين في الجريدة الرسمية للدولة، كي لا يقول أحد: أنا أجهل صدور القانون. وكلنا يعلم أن الحق سبحانه قد قال:
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
[الإسراء: 15]. فمهمة الرسول - إذن - هي البلاغ عن الله لمنهج الحياة الذي يصون حركة الحياة. ويقول سبحانه عن مهمة الرسول:
فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب
[الرعد: 40]. ويقول سبحانه:
الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله..
[الأحزاب: 39]. ويقول الحق سبحانه على لسان الرسول:
لقد أبلغتكم رسالات ربي..
[الأعراف: 93]. ويقول أيضا:
أبلغتكم مآ أرسلت به إليكم..
[هود: 57]. وهكذا لا توجد حجة لقائل: إني أخذت بذنب لم أعرف أنه ذنب وقت التكليف. لا حجة لقائل هذا القول لأن الحق سبحانه يقول في نفس الآية: ﴿ ولينذروا به.. ﴾ [إبراهيم: 52]. والإنذار: تخويف بشر سوف يقع من قبل زمنه، ليوضح لك بشاعة المخالفة، وكذلك التبشير هو تنبيه لخير قادم لم يأت أوانه كي تستعد لاستقباله. وقول الحق سبحانه: ﴿ هذا بلاغ للناس.. ﴾ [إبراهيم: 52]. يتضمن البشارة أيضا ولكنه يرتكز ويؤكد من بعد ذلك في قوله: ﴿ ولينذروا به.. ﴾ [إبراهيم: 52]. لأن الخيبة ستقع على مرتكب الذنوب. وأقول: إن الإنذار هنا هو نعمة لأنه يذكر الإنسان فلا يقدم على ارتكاب الذنب أو المعصية، فساعة تقدم للإنسان مغبة العمل السيء فكأنك تقدم إليه نعمة، وتسدي إليه جميلا ومعروفا. ويتابع سبحانه: ﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد.. ﴾ [إبراهيم: 52]. وهذه هي القضية العقدية الأولى، والتي تأتي في قمة كل القضايا فهو إله واحد نصدر جميعا عن أمره لأن الأمر الهام في هذه الحياة أن تتضافر حركة الأحياء وتتساند لا أن تتعاند. ولا يرتقي بنيان، ما إذا كنت أنت تبني يوما ليأتي غيرك فيهدم ما بنيت.
ومهمة حركة الحياة أن نؤدي مهمتنا كخلفاء لله في الأرض بأن تتعاضد مواهبنا، لا أن تتعارض، فيتحرك المجتمع الإنساني كله في اتجاه واحد لأنه من إله واحد وأمر واحد. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿ هذا بلاغ للناس.. ﴾ [إبراهيم: 52]. فهو يحدد لنا قوام الدين بعد تلقيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغه من سمعه لمن لم يسمعه. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:
" نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، وأداها إلى من لم يسمعها ".
وذلك لتبقى سلسلة البلاغ متصلة، وإن لم يبلغ قوم فالوزر على من لم يبلغ، وبذلك يحرم نفسه من شرف التبعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يعلم حكما من أحكام الدين فالمطلوب منه هو تبليغه للغير مثلما طلب الحق سبحانه من رسوله أن يبلغ أحكامه. والحق سبحانه هو القائل:
وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا..
[البقرة: 143]. وهكذا شهد الرسول صلى الله عليه وسلم أنه بلغكم وبقي على كل مسلم يعلم حكما من أحكام الدين أن يبلغه لمن لا يعرفه فقد ينتفع به أكثر منه وبعد أن سمع الحكم قد يعمل به، بينما من أبلغه الحكم لا يعمل به. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: