[النحل: 12-18]. فهل هناك إرادة أو قدرة تستطيع أن تحصي عطاءات الله التي فوق العد والحد؟ ففي الآيات السابقة وغيرها إعجاز وعجز، وما دام هناك عجز فالكمال عنده لا يتناهى. إن بعضا ممن يستدركون على القرآن يقولون: كيف يقول القرآن مرة: ﴿ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ﴾ [إبراهيم: 34]. ثم يقول في آية أخرى:
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله لغفور رحيم
[النحل: 18]. ونرد على هؤلاء: أنتم لم تنظروا إلى السياق الذي جاء في كل آية، وعميت بصيرتكم عن معرفة أن سياق الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - قد جاء فيها ذكر النعم وذكر الجحود والكفران بالنعم وهذا ناشىء عن ظلم الإنسان لنفسه بالظلم العظيم. وفي آية سورة النحل جاء بذكر النعم، ورغم ظلمنا إلا أن رحمته سبحانه وسعتنا، ولم يمنع عنا ما أسبغه علينا من نعم، وكأنه سبحانه يوضح لنا: إياكم أن تستحوا أن تسألوني شيئا وإن كنتم قد ظلمتم وكفرتم في أشياء، فظلمكم يقابله غفران منى، وكافريتكم يقابلها مني رحمة، وهكذا لا يوجد تعارض بين الآيتين بل كل تذييل لكل آية مناسب لها، ففي الآية الأولى يعاملنا الله بعدله، وفي الآية الثانية يعاملنا الله بفضله. ونلحظ أن الحق سبحانه قد قال هنا: ﴿ إن الإنسان لظلوم كفار ﴾ [إبراهيم: 34] ونعلم أن هناك أناسا قد آمنوا بالله وبنعمه، ويشكرون الله عليها، فكيف يصف الحق سبحانه الإنسان بأنه ظلوم كفار؟ ونقول: إن كلمة " إنسان " إذا أطلقت من غير استثناء فهي تنصرف إلى الخسران والحياة بلا منهج ودون التفات للتفكير في الكون. والحق سبحانه حين أراد أن يوضح لنا ذلك قال:
والعصر * إن الإنسان لفى خسر
[العصر: 1-2]. ولذلك جاء سبحانه بالاستثناء بعدها، فقال:
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر
[العصر: 3]. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿ وإذ قال إبراهيم رب اجعل... ﴾.