والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار
[الرعد: 23-24]. ثم يلقون السلام الأعلى من الله وهو القائل:
سلام قولا من رب رحيم
[يس: 58]. وبعد أن شرح الحق سبحانه أحوال أهل القرب والسعادة، وأهل البعد والشقاء، أراد عز وجل أن يضرب لنا مثلا يوضح فيه الفارق بين منهج السعداء الذين عاشوا بمنهج الله، ومنهج الأشقياء الذين اتبعوا مناهج شتى غير منهج الله، فقال سبحانه: ﴿ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها... ﴾.
14.24-25
والمثل هو الشيء الذي يوضح بالجلي الخفي. وأنت تقول لصديق لك: هل رأيت فلانا؟ فيقول لك: لا لم أره فتقول له: إنه يشبه صديقنا علان. وهكذا توضح أنت من خفي عن مخيلة صديقك بمن هو واضح الصورة في مخيلته. والحق - سبحانه وتعالى - يضرب لنا الأمثال بالأمور المحسة، كي ينقل المعاني إلى أذهاننا لأن الإنسان له إلف بالمحس وإدراكات حواسه تعطيه أمورا حسية أولا، ثم تحقق له المعاني بعد ذلك. ويقول الحق سبحانه:
إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها..
[البقرة: 26]. وقد قال الكافرون: أيضرب الحق مثلا ببعوضة؟ ذلك أنهم لم يعرفوا أن البعوضة لها حياة، وفيها حركة كأي كائن وتركيبها التشريحي يتشابه مع التركيب التشريحي لكل الأحياء في التفاصيل ويؤدي كل الوظائف الحيوية المطلوبة منه. ولا أحد غير الدارسين لعلم الحشرات يمكن أن يعرف كيف تتنفس، أو كيف تهضم طعامها ولا كيفية وجود جهاز دموي فيها أو مكان الغدد الخاصة بها وهي حشرة دقيقة الصنع. وهو سبحانه ضرب الأمثال الكثيرة ليوضح الأمر الخفي بأمر جلي. ومن بعد ذلك ينتشر المثل بين الناس. ونقول: إن كلمة " ضرب " مثلها مثل " ضرب العملة " ، وكان الناس قديما يأتون بقطع من الفضة أو الذهب ويشكلونها بقدر وشكل محدد لتدل على قيمة ما، وتصير بذلك عملة متداولة، ويقال - أيضا - " ضرب في مصر " أي: اعتمد وصار أمرا واقعا. وكذلك المثل حين ينتشر ويصبح أمرا واقعا. والمثل الذي يضربه الحق سبحانه هنا هو الكلمة الطيبة ولها أربع خصائص: ﴿ كشجرة طيبة.. ﴾ [إبراهيم: 24]. أي: تعطيك طيبا تستريح له نفسك إما منظرا أو رائحة أو ثمارا أو كل ذلك مجتمعا فقوله: ﴿ كشجرة طيبة.. ﴾ [إبراهيم: 24]. يوحي بأن كل الحواس تجد فيها ما يريحها وكلمة " طيبة " مأخوذة من الطيب في جميع وسائل الإحساس. فالخاصية الأولى، أنها شجرة طيبة، أما الخاصية الثانية فهي أن أصلها ثابت، كإيمان المؤمن المحب، والثالثة أن فروعها في السماء، وهذا دليل أيضا على ثبات الأصل وطيب منبتها. أما الخاصية الرابعة فهي أن تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أي: فيها عطاء المدد الذي لا يعرف الحد ولا العدد، وهي تدل على صفات المؤمنين المحبين. وبما أنها شجرة طيبة فهي كائن نباتي لا بد لها من أن تتغذى لتحفظ مقومات حياتها. ومقومات حياة النبات توجد في الأرض، فإن كانت الشجرة مخلخلة وغير ثابتة فهي لن تستطيع أن تأخذ غذاءها. ولذلك يقول الحق سبحانه عن تلك الشجرة: { أصلها ثابت وفرعها في السمآء.
. } [إبراهيم: 24]. وكلنا نظن أن الشجرة تأخذ غذاءها من الجذور فقط ولكن الحقيقة العلمية تؤكد أن الشجرة تأخذ خمسة بالمائة من غذائها عبر الجذور والباقي تأخذه من الهواء، وكلما كان الهواء نظيفا فالشجرة تنمو بأقصى ما فيها من طاقة حتى تكاد أن تبلغ فروعها السماء. أما إن كانت البيئة غير نظيفة وملوثة فالهواء يكون غير نظيف بما لا يسمح للشجرة أن تنمو النمو المناسب فتمر الأغيار غير المناسبة على الشجرة، فلا تستخلص منها الغذاء المناسب، ولا تنمو النمو المناسب. اللهم إلا إذا نزل عليها المطر فيغسل أوراقها. إذن: فقول الحق سبحانه: ﴿ أصلها ثابت.. ﴾ [إبراهيم: 24]. يعني: أنها تأخذ من الأرض. وقوله: ﴿ وفرعها في السمآء.. ﴾ [إبراهيم: 24]. يبين أنها تأخذ من أعلى. ويتابع سبحانه: ﴿ تؤتي أكلها كل حين.. ﴾ [إبراهيم: 25]. والأكل هو ما يؤكل ويتمتع به، ولكنا لا نأخذ المعنى هنا على ما يؤكل بالفم فقط ذلك أن هناك أشجارا ونباتات طيبة لأن مزاج الكون العام يتطلبها فالظل مثلا يستفاد منه وكذلك هناك أشجار يتفاعل وجودها مع الأثير ويأخذ منها رائحة طيبة. والمثل في ذلك: الطفل البدوي الذي شاهد نخيل جيرانه مثمرا بالبلح، ولكن النخلة التي يملكونها غير مثمرة، وتساءل: لماذا؟ وذهب ليقطعها، فلحقه والده ومنعه من ذلك، وقال له: إن نخلتنا هي الذكر الذي ينتج اللقاح اللازم لبقية النخيل كي تثمر. ولذلك فأنا لا أوافق المفسرين الذين ذهبوا إلى تفسير قوله الحق: ﴿ كشجرة طيبة.. ﴾ [إبراهيم: 24]. بأنها مثل شجرة التفاح وغيرها من الأشجار المثمرة ذلك أن كل شجرة حتى ولو كانت شجرة حنظل فهي طيبة بفائدتها التي أودعها الحق إياها فشجرة الحنظل نأخذ منها دواء - قد يكون مرير الطعم - لكنه يشفي بعضا من الأمراض بإذن الله. ذلك أن كل ما هو موصوف بشجرة له مهمة طيبة في هذا الكون. وقول الحق سبحانه: ﴿ تؤتي أكلها كل حين.. ﴾ [إبراهيم: 25]. يدلنا على أن هناك قدرا مشتركا بين الشجر كله مثمرا بما نراه من فاكهة أو غير ذلك. وقد نبهنا العلم الحديث إلى أن كل خضرة إنما تنقي الجو بما تأخذ منه من ثاني أوكسيد الكربون، وبما تضيف لنا من أوكسجين وتستمر الخضرة في ذلك نهارا وتقلب مهمتها بإرسال ثاني أوكسيد الكربون ليلا وامتصاص الأوكسجين، وكأنها مبرمجة على فهم أن النهار يقتضي الحركة. ويحتاج الكائن الحي فيه إلى المزيد من وقود الحركة وهو الأوكسجين والإنسان أثناء الحركة يستهلك كمية كبيرة من الأوكسجين ونجد من يصعد سلما ينهج لأن رئتيه تحاولان امتصاص أكبر قدر من الأوكسجين ليؤكسد الدم، وينتج الطاقة اللازمة للصعود. وهكذا نجد كل خضرة إنما تقوم بوظائف محددة لها سلفا من قبل الخالق الأعلى. ولذلك اختلف العلماء عند تفسير: { تؤتي أكلها كل حين.