[فاطر: 37]. فيأتي الرد من الحق سبحانه:
أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجآءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير
[فاطر: 37]. ونلحظ أنهم في كل آيات التوسل لله كي يعودوا إلى الحياة الدنيا يقولون ربنا، وتناسوا أنهم مأخوذون إلى العذاب بمخالفات الألوهية ذلك أن الربوبية عطاؤها كان لكم في الدنيا، ولم ينقصكم الحق سبحانه شيئا على الرغم من كفركم. هكذا يكون حال هؤلاء الذين أقسموا أن الحق سبحانه لن يبعثهم، وأنكروا يوم القيامة، وأنه لا زوال لهم. أي: لا بعث ولا نشور. ويتابع الحق سبحانه القول الكريم: ﴿ وسكنتم في مسكن الذين... ﴾.
14.45
والسكون هو الاطمئنان إلى الشيء من عدم الإزعاج، ونعلم أن المرأة في الزواج تعتبر سكنا، والبيت سكن، وهنا يتكلم الحق سبحانه عن مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أي: أنكم لم تتعظوا بالسوابق التي ما كان يجب أن تغيب عنكم، فأنتم تمرون في رحلات الصيف والشتاء على مدائن صالح، وترون آثار الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك، وتمرون على الأحقاف وترون ماذا حاق بقوم عاد. وكل أولئك نالوا العقاب من الله، سواء بالريح الصرصر العاتية، أو: أنه سبحانه قد أرسل عليهم حاصبا من السماء، أو: أنزل عليهم الصيحة أو: أغرقهم كآل فرعون، وأخذ كل قوم من هؤلاء بذنبه. وصدق الله وعده في عذاب الدنيا فلماذا لم تأخذوا عبرة من ذلك وأنه سبحانه وتعالى صادق حين تحدث عن عذاب الآخرة؟ وهنا قال الحق سبحانه: ﴿ وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم.. ﴾ [إبراهيم: 45]. وفي آية أخرى يقول سبحانه:
وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون
[الصافات: 137-138]. أي: أنكم تمرون على تلك الأماكن التي أقامها بعض ممن سبقوكم وظلموا أنفسهم بالكفر وأنزل الحق سبحانه عليهم العقاب ولذلك يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ﴾ [إبراهيم: 45]. نعم فحين تمشي في أرض قوم عاد، وترى حضارتهم التي قال عنها الحق سبحانه:
إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد
[الفجر: 7-8]. وهي حضارة لم نكشف آثارها بعد وما زالت في المطمورات وكل مطمور في الأرض بفعل من غضب السماء تضع السماء ميعاد كشف له ليتعظ أهل الأرض ويحدث هذا الكشف كلما زاد الإلحاد واستشرى. قد حدث أن اكتشفنا حضارة ثمود، وكذلك حضارة الفراعنة وهي الحضارة التي سبقت كل الحضارات في العلوم والتكنولوجيا، ورغم ذلك لم يعرف أصحاب تلك الحضارة أن يصونوها من الاندثار الذي شاءه الله. وما زال الناس يتساءلون: لماذا لم يترك المصريون القدماء خبرتهم الحضارية مكتوبة ومسجلة في خطوات يمكن أن تفهمها البشرية من بعد ذلك؟ ﴿ وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ﴾ [إبراهيم: 45]. أي: أن الحق سبحانه يوضح هنا أن مشيئته في إنزال العقاب قد وضحت أمام الذين عاصروا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم في مساكن الأقوام التي سبقتهم وكفروا برسالات الرسل، وسبق أن ضرب لهم الحق سبحانه الأمثال بهؤلاء القوم وبما حدث لهم. والمثل إنما يضربه الله ليقرب بالشيء الحسي ما يقرب إلى الأذهان الشيء المعنوي. ويستمر قوله الحق من بعد ذلك: ﴿ وقد مكروا مكرهم وعند... ﴾.