تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14.10

وقوله: ﴿ أفي الله شك.. ﴾ [إبراهيم: 10] هو لون من الخطاب الذي لا يترك لمن توجه إليه الكلام أن يجيب إلا كما تريد أنت. وأنت لا تفعل ذلك إلا إذا كنت واثقا من أن من توجه إليه الكلام سيجيب - إن استحضر الحق في ذهنه - كما تريد أنت. ولذلك لم يأت الخطاب هنا بقوله " لا شك في الله " وبذلك يكون الكلام خبريا، وقد يقول واحد: إن هذا الكلام كاذب، ولكن على الرغم من أن المستمعين من الكفار، إلا أنه يأتي بالقضية في شكل تساؤل يستأمنهم على أنهم سوف يديرون الكلام في رؤوسهم، وسيعثرون على الإجابة التي لا يمكن أن ينكرونها وهي " ليس في الله شك ". وهكذا نجد أن القائل قد سكت عن إعلانهم الكفر أولا وجاء لهم بالتساؤل الذي سيجيبون عليه " ليس في الله شك " ، ويأتي لهم بالدليل الذي لا يحتمل أي شك، وهو قوله الحق: ﴿ فاطر السماوات والأرض.. ﴾ [إبراهيم: 10]. والفاطر هو الذي خلق خلقا على غير مثال سابق، مثلها مثل قوله الحق:

بديع السماوات والأرض..

[البقرة: 117]. فلا أحد قادر على أن يخلق مثل السماوات والأرض وهي مخلوقة على غير مثال سابق. وسبحانه هو من شاء أن يكون الإنسان سيدا لكل الكائنات المخلوقة، وأن تكون تلك الكائنات مسخرة لخدمته. وقد يتخيل الإنسان أن خلقه أكبر من خلق السماوات والأرض لذلك ينبهه الحق سبحانه:

لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس..

[غافر: 57]. ولو نظرت إلى الشمس وسألت نفسك كم من الأجيال قد استمتعوا بدفئها واستفادوا منها فمن المؤكد أنك لن تعرف عدد الأجيال لأن الشمس مخلوقة من قبل خلق البشر، وكل إنسان يستمتع بالشمس ويستفيد منها عدد سنوات حياته، ثم يذهب إلى الموت. ونجد المفسر الجليل الفخر الرازي يضرب المثل الذي لا يمكن أن ينكره أحد، ويدل على الفطرة في الإيمان، ويوضح أن الحق سبحانه لم يمهل الإنسان إلى أن ينضج عقله ليشعر بضرورة الإيمان، ويضرب المثل بطفل صغير تسلل، وضرب شقيقه هنا لا بد أن يلتفت الشقيق ليكتشف من الذي ضربه لأن الإنسان من البداية يعلم أن لا شيء يحدث إلا وله فاعل. وهب أن طفلا جاء ليجد شقيقه جالسا على كرسي، وهو يريد أن يجلس على نفس الكرسي هنا سيقوم الطفل بشد وجذب أخيه من على الكرسي ليجلس هو، وكأنه اكتشف بالفطرة أن اثنين لا يمكن أن يستوعبهما حيز واحد. وهكذا يتوصل الإنسان بالفطرة إلى معرفة أن هناك خالقا أوحد. وهكذا نجد قوله الحق: ﴿ فاطر السماوات والأرض.. ﴾ [إبراهيم: 10]. هو الآية الكونية الواسعة.

ويأتي من بعد ذلك بالقول: ﴿ يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم.. ﴾ [إبراهيم: 10]. وهذا القول يدل على الرحمة والحكمة والقدرة والحنان وهو هنا يقول: ﴿ ليغفر لكم من ذنوبكم ﴾ [إبراهيم: 10]. ولم يقل: يغفر لكم ذنوبكم ذلك أنه يخاطب الكفار بينما يقول سبحانه حين يخاطب المؤمنين:

يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم..

[الصف: 10-12]. وهكذا لا يساوي الحق سبحانه في خطابه بين المؤمنين والكافرين. أو: أن المقصود من قوله: ﴿ ليغفر لكم من ذنوبكم.. ﴾ [إبراهيم: 10]. هو غفران الكبائر: ذلك أن صغائر الذنوب إنما يغفرها أداء الفرائض والعبادات فنحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:

" الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر ".

ويتابع سبحانه: ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى.. ﴾ [إبراهيم: 10]. وكلنا نعرف أن الأجل هو الزمن المضروب والمقرر للحدث. وإن شاء الحق سبحانه الإبادة فنجد ما يدل عليه قوله الحق:

فخسفنا به وبداره الأرض..

[القصص: 81]. كما فعل مع قارون. أو: أن قوله: ﴿ إلى أجل مسمى.. ﴾ [إبراهيم: 10] مقصود به يوم القيامة. ولكن الكفار أهل لدد وعناد، لذلك نجد قولهم: ﴿ قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا فأتونا بسلطان مبين ﴾ [إبراهيم: 10]. وهكذا يعلن أهل الكفر لرسلهم أنهم يفضلون أن يكونوا أهل تقليد للآباء، ولو أنهم فكروا لعلموا أن التقليد لو شاع في المجتمعات لما ارتقى أحد عن آبائه وأجداده، فالعالم يتطور من تمرد جيل على جيل سابق، فلماذا يصر هؤلاء الكافرون على أن يحتفظوا بتقليد الآباء والأجداد؟ وإذا كان الأبناء يتطورون في كل شيء، فلماذا يحتفظ هؤلاء الكفار بتقليد الآباء في العقائد؟ ولا يكتفي أهل الكفر بذلك، بل يطلبون أن يأتي لهم الرسل بسلطان مبين، والسلطان يطلق مرة على القهر على الفعل، ويكون الفاعل المقهور كارها للفعل. ومرة يطلق على الحجة التي تقنع بالفعل، ويكون الفاعل محبا لما يقدم عليه، والدين لا يمكن أن ينتشر قهرا بل لا بد أن يقبل الإنسان على الدين بقلبه، وذلك لا يأتي قهرا. لذلك نجد القول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٨٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٨٩٧