تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14.32

والسماء والأرض - كما نعلم - هما ظرفا الحياة لنا كلنا، وقد قال الحق سبحانه:

لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس..

[غافر: 57]. فإذا كان الله هو الذي خلق السماوات والأرض فهذا لفت لنا على الإجمال لأنه لم يقل لنا ما قاله في مواضع أخرى من القرآن الكريم بأنها من غير عمد وليس فيها فطور، ولم يذكر هنا أنه خلق في الأرض رواسي كي لا تميد بنا الأرض، ولم يذكر كيف قدر في الأرض أقواتها، واكتفى هنا بلمحة عن خلق السماوات والأرض. وحين يتكلم سبحانه هنا عن خلق السماوات يأتي بشيء لم يدعه أحد على كثرة المدعين من الملاحدة وذلك لتكون ألزم في الحجة للخصم، وبذلك كشف لهم حقيقة عدم إيمانهم وجعلهم يرون أنهم كفروا نتيجة لدد غير خاضع لمنطق وهو كفر بلا أسباب. وحين يحكم الله حكما لا يوجد لا معارض ولا منازع، فهذا يعني أن الحكم قد سلم له سبحانه. ولم يجترئ أحد من الكافرين على ما قاله الله وكأن الكافر منهم قد أدار الأمر في رأسه، وعلم أن أحدا لم يدع لنفسه خلق السماوات والأرض ولا يجد مفرا من التسليم بأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض. وقول الحق سبحانه هنا: ﴿ الله الذي خلق السماوات والأرض.. ﴾ [إبراهيم: 32]. يوضح لنا أن كلمة " الله " هنا لأنها مناط الصعوبة في التكليف فالتكليف يقف أمام الشهوات وقد تغضبون من التكليف ولكنه يحميكم من بعضكم البعض، ويكفل لكم الأمان والحياة الطيبة. ولم يأت الحق سبحانه بكلمة " رب " هنا لأنها مناط العطاء الذي شاءه للبشر، مؤمنهم وكافرهم. وكلمة " الله " تعني المعبود الذي ينزل الأوامر والنواهي وتعني أن هناك مشقات ولذلك ذكر لهم أنه خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماء. ونحن حين نسمع كلمة " السماء " نفهم أنها السماء المقابلة للأرض ولكن التحقيق يؤكد أن السماء هي كل ما علاك فأظلك. والمطر كما نعلم إنما ينزل من الغيم والسحاب. والحق سبحانه هو القائل:

ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله..

[النور: 43]. وقد عرفنا بالعلم التجريبي أن الطائرة - على سبيل المثال - تطير من فوق السحاب، وعلى ذلك فالمطر لا ينزل من السماء بل ينزل مما يعلونا من غيم وسحاب. أو: أنك حين تنسب النزول من السماء فهذا يوضح لنا أن كل أمورنا تأتي من أعلى ولذلك نجد الحديد الذي تحتضنه الجبال وينضج في داخلها يقول فيه الحق سبحانه:

وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس..

[الحديد: 25].

وهكذا نجد أنه إما أن يكون قد نزل كعناصر مع المطر أو لأن الأمر بتكوينه قد نزل من السماء. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يتحدث الحق سبحانه عن خلق السماوات والأرض وكيف أنزل الماء من السماء: ﴿ فأخرج به من الثمرات رزقا لكم... ﴾ [إبراهيم: 32]. والثمرات هي نتاج ما تعطيه الأرض من نباتات قد تأكل بعضا منها وقد لا تأكل البعض الآخر فنحن نأكل العنب مثلا، ولكنا لا نأكل فروع شجرة العنب، وكذلك نأكل البرتقال ولكنا لا نأكل أوراق وفروع شجرة البرتقال. ويتابع سبحانه: ﴿ وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره.. ﴾ [إبراهيم: 32]. والتسخير معناه قهر الشيء ليكون في خدمة شيء آخر. وتسخير الفلك قد يثير في الذهن سؤالا: كيف يسخر الله الفلك، والإنسان هو الذي يصنعها؟ ولكن لماذا لا يسأل صاحب السؤال نفسه: ومن أين نأتي بالأخشاب التي نصنع منها الألواح التي نصنع منها الفلك؟ ثم من الذي جعل الماء سائلا لتطفو فوقه السفينة؟ ومن الذي سير الرياح لتدفع السفينة؟ كل ذلك من بديع صنع الله سبحانه. وكلمة " الفلك " تأتي مرة ويراد بها الشيء الواحد وتأتي مرة ويراد بها أشياء فهي تصلح أن تكون مفردا أو جمعا. والمثل هو قول الحق سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩٢٠