تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14.19

وسبحانه يعلمنا هنا أنه خلق السماوات والأرض بميزان الحق فلا تأتي السماء وتنطبق على الأرض، فسبحانه القائل:

ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه...

[الحج: 65]. وأنت كلما سرت وجدت الشمس من فوقك، وهي مرفوعة بنظام هندسي دقيق. وهكذا أراد الحق سبحانه أن يؤكد قضية كونية محسة مشهودة وبدأ بقوله: ﴿ ألم تر.. ﴾ [إبراهيم: 19]. رغم أنه لا يوجد مع العين أين ذلك أن الشمس واضحة أمام كل البشر، وهكذا نجد أن معنى ﴿ ألم تر ﴾ هنا تكون بمعنى " ألم تعلم ". وجاء سبحانه ب ﴿ ألم تر ﴾ هنا ليدلنا على أن ما يعلمنا الله به من حق أصدق مما تعلمنا به العين فإذا قال سبحانه: ﴿ ألم تر ﴾ فهي تعني: ألم تعلم علما مؤكدا لأن عينيك ربما تخونك في الرؤيا، أو تخدعك بالإبصار، ولكن إذا قال لك الله ﴿ ألم تر ﴾ فاعلم أنه علم موثوق به. وحين يلفتنا الحق سبحانه هنا إلى رؤية السماوات والأرض فكان لا بد لنا أن نعلم أنها لم تكن لتوجد إلا بخلق الله لها وهو الذي أخبرنا أنها من خلقه ولم يدعها أحد لنفسه وبذلك تثبت له قضية خلقها إلى أن يقول آخر أنه خلقها ولم يقل لنا أحد ذلك أبدا. وسبق أن قال سبحانه:

لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس..

[غافر: 57]. والبشر كما نعلم لا يعيش فرد منهم مثلما تعيش السماء فالفرد يموت ويولد غيره وكل البشر يأتون ويذهبون، والشمس باقية، وكذلك الأرض. ومن عجيب الخلق الرحماني أن الله خلق كل ذلك تسخيرا لأمر الإنسان فلا يشذ كائن من تلك المسخرات عن أمر الإنسان. وما طلب منك أيها الإنسان تكليفا مخير فيه إن شئت آمنت، وإن شئت كفرت وإن شئت أطعت، وإن شئت عصيت. ولكن المخلوق المسخر لخدمتك ليست له هذه المشيئة. وهو سبحانه الحق القائل:

إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا

[الأحزاب: 72]. وقد أعلمنا هذا القول الكريم بأن الرحمانية سبقت لنا نحن البشر من قبل خلقنا، وأقدمتنا رحمانية الله على وجود مهيأ لنا. ومن العجيب أن الكون المخلوق لنا استبقاء لحياتنا واستبقاء لنوعنا يتركز في أشياء لا دخل لنا فيها، ولا تتغير أبدا وهي الأشياء العليا كالشمس والقمر والأرض. وهناك أشياء أخرى يكون التغيير فيها على نوعين: قسم يتغير ويأتي بدلا منه شيء جديد، كالنبات الذي يذهب ويصير حصيدا، وكذلك الحيوانات التي نأكلها أو التي تموت. وهناك خلق يتغير مع إبقاء عناصره، وإن تغيرت مادته، كالجمادات التي نراها - الجبال والأرض وعناصرها - ونكتشف منها كل يوم جديدا.

إذن: فالمخلوقات التي استقبلت الوجود الإنساني نوعان: نوع لا دخل للأغيار فيها ونوع آخر فيه دخل للأغيار مع بقاء مادتها وهي الجمادات ونوع تتغير أنواعه وأجناسه. كل هذه الأشياء تدلنا على أن الحق سبحانه وتعالى له صفتان: صفة القدرة والقهر وهو سبحانه يقهر ما يشاء على ما يشاء ولا يتغير. وصفة الاختيار التي أوجدها في الإنسان. وأثبتت صفة القدرة التي سخر بها سبحانه الأشياء لخدمة الإنسان مطلق سلطانه سبحانه على كل ما خلق فلا شيء يخرج عن مراده أبدا. وأراد سبحانه بصفة الاختيار التي وهبها للإنسان أن يأتيه عبده الإنسان محبا متبعا لتكاليفه الإيمانية، فالذي يطيع الله وهو قادر على أن يعصيه إنما يدل بذلك على أنه محب لله ويثبت له صفة المحبوبية. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق.. ﴾ [إبراهيم: 19]. ولنا أن نلحظ أن كلمة " بالحق " وردت في مواقع كثيرة من القرآن الكريم. وعلى سبيل المثال، نجد في القرآن الكريم قوله تعالى:

وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق..

[الحجر: 85]. وقوله تعالى:

وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩٠٣