تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكننا ننظر إلى التجربة بأفق محدود، ونفصل النظرة الجزئية عن النظرة الكلية المطلوب منا أن ننظر بها لكل ما يحيط بنا في الكون فنتسبب بهذا اللهث في التجارب في إفساد الكثير من أسرار حياتنا على الأرض حتى بتنا نشكو من اضطراب الجو بردا وصقيعا وحرا فوق الاحتمال. وذلك بتدخل الإنسان المختار فيما لا يجب أن يتدخل فيه إلا بعد أن يدرس كل جوانبه. واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه:

ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس..

[الروم: 41]. ولذلك لا بد من دراسة المقدمات والنتائج جيدا قبل أن نضخم من تجاربنا التي قد تضر البشر ولذلك أيضا أقول: إن علينا أن ندرس الآثار الجانبية لكل اختراع علمي كي نحمي البشر من سيئات تلك الآثار الجانبية. ولنتذكر قول الحق سبحانه:

ولا تقف ما ليس لك به علم..

[الإسراء: 36]. ولعل ما نعيش فيه من مشكلات تتعلق بالجو والصحة هو نتيجة تدخلنا بغير علم مكتمل وهذا يؤكد لنا حكمة الخالق الأعلى ذلك أننا لما خرجنا بالمخترعات العلمية وانبهرنا بفائدتها السطحية ظننا أن في ذلك مكسبا كبيرا ولكنه كان وبالا في بعض الأحيان نتيجة الآثار الجانبية. ولذلك لم يقل الحق سبحانه: " بما اكتسبت أيدي الناس " بل قال:

بما كسبت أيدي الناس..

[الروم: 41]. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين وسخر لكم الليل والنهار ﴾ [إبراهيم: 33]. وهكذا نعلم أن تعاقب ظهور الشمس والقمر يسبب تعاقب مجيء الليل والنهار. ولا يعني ظهور الشمس وسطوعها أن القمر غير موجود فهو موجود، ولكن ضوء الشمس المبهر يمنعك من أن تراه، ولكن هناك أوقات يمكنك أن ترى فيها الشمس والقمر معا. أما الليل والنهار فهما يتتابعان كل منهما خلف الآخر. والحق سبحانه هو القائل:

وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة..

[الفرقان: 62]. أي: أنهما لا يأتيان معا أبدا فالليل في بلد ما يقابله نهار في بلد آخر. وهكذا أثبت لنا الدأب في الحركة فكل منهما يأتي عقب الآخر وقد جعل الحق سبحانه ذلك من أول لحظة في الخلق وكانا لحظة الوجود خلفة، كل منهما يأتي من بعد الآخر فكأن الكون حين خلقه الله وجعل الشمس في مواجهة الأرض، صار الجزء المواجه للشمس نهارا والجزء غير المواجه لها صار ليلا. ثم دارت الأرض ليأتي الجزء الذي كان غير مواجه للشمس في مواجهتها فصار ليلا، وذهب الجزء الذي كان في مواجهتها، ليكون مكان الجزء الآخر فصار ليلا، وهكذا شاء سبحانه أن يكون كل منهما خلف الآخر. وهكذا تكلم الحق سبحانه عن حصر بعض من نعمه الكلية علينا نحن العباد، سماء، وأرض، وماء ينزل، وثمرات تنبت من الأرض، وكذلك سخر لنا الشمس والقمر، والليل والنهار، وهذا ما يسمى تعديد لبعض النعم. ونجد واحدا من الصالحين يقول عن نعم الله " أعد منها ولا أعددها ". فكأن الله ينبهنا إلى أصول النظام الكوني الأعلى، ثم فتح المجال لنعم أخرى لن يستطيع أحد أن يحصيها. لذلك يقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٩٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٩٢٤