يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم..
[المائدة: 6]. ونحن لا نغسل وجوهنا لحظة أن نقوم بالصلاة ولكننا نغسلها ونستكمل خطوات الوضوء حين يؤذن المؤذن ونمتلك إرادة الصلاة، فكأن القول هنا يعني: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فافعلوا كذا وكذا. ونعلم أن ذكر الشيء بسببه كأنه هو ولذلك يقال: إذا كان الآذان قد أذن في المسجد وأنت خارج من منزلك بقصد الصلاة فلا تجري لتلحق بالإمام وتدرك الصلاة لأنك في صلاة من لحظة أن توضأت وخرجت من بيتك للصلاة وإياك أن تفعل حركة تتناقض مع الصلاة، وادخل المسجد بسكينة ووقار لتؤدي الصلاة مع الإمام.
وحين نتأمل قول الحق سبحانه: ﴿ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. ﴾ [إبراهيم: 34]. ستجد أن العادة في اللغة هي استعمال " إن " في حالة الأمر المشكوك فيه، أما الأمر المتيقن فنحن نستخدم " إذا " مثل قوله الحق:
إذا جآء نصر الله والفتح
[النصر: 1]. وقد جاء الحق سبحانه هنا بأسلوب الشك حين قال: ﴿ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. ﴾ [إبراهيم: 34]. ذلك أن العاقل يعلم مقدما أنه سيعجز عن إحصاء نعم الله. وكلنا يعلم أن هناك علما اسمه " الإحصاء " وله أقسام جامعية متخصصة. وعلى الرغم من التقدم وصناعة الحاسب الآلي " الكمبيوتر " لم يستطع أحد ولم يقبل أحد على إحصاء نعم الله في الكون، ذلك أن العد والإحصاء يقتضي كليا له أفراد، أو كلا له أجزاء. وأنت إن نظرت إلى أي نعمة من نعم الله قد تظنها نعمة واحدة ولكنك إن فصلت فيها ستجدها نعما متعددة وشتى، وهكذا لا يوجد تناقض في قوله الحق: ﴿ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. ﴾ [إبراهيم: 34]. وأنت إن أخذت نعمة المياه ستجدها نعما متعددة فهي مكونة من عناصر، كل عنصر فيها نعمة وإن أخذت نعمة الأرض ستجد فيها نعما كثيرة مطمورة، وهكذا تكون كل نعمة من الله مطمور فيها نعم متعددة، ولا تحصى. وحين تنظر في قول الحق سبحانه: ﴿ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. ﴾ [إبراهيم: 34]. تجد ثلاثة عناصر هي المنعم والنعمة التي حكم الحق سبحانه أنك لن تحصيها، وأن خلقه لم يضعوا أنوفهم في أن يعدوا تلك النعمة، فهي لا تحصى لأنها ليست مظنة الإحصاء ولا يقبل عاقل أن يحصيها. والعنصر الثالث هو المنعم عليه، وهو الإنسان الذي قد يعجز عن إحصاء نعم رئيسه من البشر عليه - فما بالك بنعم الله التي لا تحصى، وكمالاته التي لا تحد، وعطائه الذي لا ينفد؟ ولله المثل الأعلى، فهو المنزه عن المثل. ثم يأتي قول الحق سبحانه: ﴿ إن الإنسان لظلوم كفار ﴾ [إبراهيم: 34]. وهنا في سورة إبراهيم نجد قوله الحق مبينا ظلم الإنسان لنفسه وكفره بالنعمة، وفي كفره للنعمة كفر بالمنعم يقول سبحانه وتعالى:
ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار
[إبراهيم: 28-29]. وهؤلاء هم من ارتكبوا مظالم بالنسبة لعقيدة الوحدانية والإيمان بالله، والإنسان هو المنعم عليه وما كان يصح أن يرى كل تلك النعم ثم يكفر بها، وكان من العدل أن يعطي الحق لصاحبه، ولكن بعضا من البشر بدلوا نعمة الله كفرا وهكذا صاروا ممن يطلق على كل منهم أنه ظلوم في الحكم وأنه كفار لجحوده بالنعمة ونكرانه عطاء الخالق للمخلوق.
والظلم كما نعرف هو أن تنقل الحق من صاحبه إلى غير صاحبه وإن لم تؤمن بالله تكون قد أخذت حق الإله في الوجود، وإن كنت تؤمن بشركاء فأنت تنقل بذلك حقا من الله إلى غيره وهذا ظلم القمة. وانظر إلى قول الحق سبحانه في سورة النحل:
وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون * وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون * وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون * وعلامات وبالنجم هم يهتدون * أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون * وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله لغفور رحيم