تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله..

[الأعراف: 200]. وكل منا يعلم أن الشيطان عدو له عداوة مسبقة، وحين تستعيذ بالله من الشيطان، فأنت تكتسب حصانه من الشيطان. وسبحانه القائل:

إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون

[الأعراف: 201]. أي: أن الإنسان حين يتذكر العداوة بينه وبين الشيطان فعليه أن يشحن نفسه بالمناعة الإيمانية ضد هذا النزغ. ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة بقول يوسف: ﴿ إن ربي لطيف لما يشآء إنه هو العليم الحكيم ﴾ [يوسف: 100]. فسبحانه هو المدبر الذي لا تخفى عليه خافية أبدا، وكلمة " لطف " ضد كلمة " كثافة " فاللطيف هو الذي له جرم دقيق، والشيء كلما لطف عنف لأنه لا توجد عوائق تمنعه. ولا شيء يعوق الله أبدا، وهو العليم بموقع وموضع كل شيء، فهو يجمع بين اللطف والخبرة، فلطفه لا يقف أمامه أي شيء، ولا يوجد ما هو مستور عنه، ولا يقوم أمام مراده شيء، وسبحانه خبير بمواضع الأشياء، وعلمه سبحانه مطلق، وهو حكيم يجري كل حدث بمراد دقيق، ولا يضيف إليه أحد أي شيء، فهو صاحب الكمال المطلق. ويذكر الحق سبحانه بعد ذلك مناجاة يوسف لله سبحانه: ﴿ رب قد آتيتني من الملك... ﴾.

12.101

ونعلم أن الربوبية تعني الخلق من عدم، والإمداد من عدم والإقاتة لاستبقاء الحياة، والتزاوج لاستباق النسل، وتسير كل هذه العمليات في تناسق كبير. فالحق سبحانه أوجد من عدم، واستبقى الحياة الذاتية بالقوت، واستبقى الحياة النوعية بما أباح من تزاوج وتكاثر. وكل مخلوق له حظ في عطاء الربوبية، مؤمنا كان أم كافرا، وكل مخلوقات الكون مسخرة لكل الخلق، فسبحانه هو الذي استدعى الخلق إلى الوجود ولذلك تكفل بما يحقق لهم الحياة. ويختص الحق سبحانه عباده المؤمنين بعطاء آخر بالإضافة لعطاء الربوبية وهو عطاء الألوهية المتمثل في المنهج. يقول يوسف عليه السلام مناجيا ربه: ﴿ رب قد آتيتني من الملك.. ﴾ [يوسف: 101]. أي: أنه سبحانه هو الذي أعطاه تلك السيادة، وهذا النفوذ والسلطان فلا أحد يملك قهرا عن الله، وحتى الظالم لا يملك قهرا عن الله ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى من القرآن:

قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير

[آل عمران: 26]. وإتيان الملك لا توجد فيه مقاومة ممن يملك ولكن نزع الملك هو الذي يقاومه المنزوع منه. والحق سبحانه هو أيضا الذي يعز من يشاء، وهو الذي يذل من يشاء. وحين تتغلغل هذه الآية في نفس المؤمن فهو يوقن أنه لا مفر من القدر، وأن إيتاء الملك خير، وأن نزع الملك خير، وأن الإعزاز خير والإذلال خير كي لا يطغى الإنسان، ولا يتكبر، ولا يعدل في إيمان غيره. وكان بعض الناس يقولون: لا بد أن تقدر محذوفا في الآية. وهم قد قالوا ذلك بدعوى الظن أن هناك خيرين في الآية وشرين محذوفين. وأقول: لا، إن ما تظنه أيها الإنسان أنه شر إنما هو خير يريده الله فكل ما يجريه الله خير. وقول يوسف عليه السلام هنا: ﴿ آتيتني من الملك.. ﴾ [يوسف: 101]. يقتضي أن نفهم معنى " الملك " ومعنى " الملك " ، ولنا أن نعرف أن كل إنسان له شيء يملكه مثل ملابسه أو قلمه أو أثاث بيته، ومثل ذلك من أشياء، وهذا ما يسمى: " الملك ". أما " الملك " فهو أن تملك من يملك. وقد ملك الله بعضا من خلقه لخلقه، ملكهم أولا ما في حوزتهم، وملكهم غيرهم، وسبحانه ينزع الملك من واحد ويهبه لآخر، كي لا تصبح المسألة رتابة ذات. ومثال هذا: هو ما حدث لشاه إيران، وكان له الملك، وعنده كل أسباب الحضارة، وفي طوعه جيش قوي، ثم شاء الحق سبحانه أن ينزع منه الملك، فقام غيره بتفكيك المسامير غير المرئية التي كان الشاه يثبت بها عرشه فزال عنه الملك.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٧٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٧٩٣