12.110
وكلمة: ﴿ حتى ﴾ [يوسف: 110]. تدل على أن هناك غاية، وما دامت هناك غاية فلا بد أن بداية ما قد سبقتها، ونقول: " أكلت السمكة حتى رأسها ". أي: أن البداية كانت أكل السمكة، والنهاية هي رأسها. والبداية التي تسبق: ﴿ استيأس الرسل... ﴾ [يوسف: 110]. هي قوله الحق:
ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم..
[يوسف: 109]. وما دام الحق سبحانه قد أرسلهم فهم قد ضمنوا النصر، ولكن النصر أبطأ فاستيأس الرسل، وكان هذا الإبطاء مقصودا من الحق سبحانه لأنه يريد أن يحمل المؤمنين مهمة هداية حركة الحياة في الأرض إلى أن تقوم الساعة، فيجب ألا يضطلع بها إلا المختبر اختبارا دقيقا. ولا بد أن يمر الرسول - الأسوة لمن معه - ومن يتبعه من بعده بمحن كثيرة، ومن صبر على المحن وخرج منها ناجحا فهو أهل لأن يحمل المهمة. وهو الحق سبحانه القائل:
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله..
[البقرة: 214]. إذن: لا بد من اختبار يمحص. ونحن في حركة حياتنا نؤهل التلميذ دراسيا ليتقدم إلى شهادة إتمام الدراسة الابتدائية، ثم نؤهله لنيل شهادة إتمام الدراسة الإعدادية ثم نؤهله لنيل شهادة إتمام الدراسة الثانوية، ثم يلتحق بالجامعة، ويتم اختباره سنويا إلى أن يتخرج من الجامعة. وإن أراد استكمال دراسته لنيل الماجستير والدكتوراه، فهو يبذل المزيد من الجهد. وكل تلك الرحلة من أجل أن يذهب لتولي مسئولية العمل الذي يسند إليه وهو جدير بها، فما بالنا بعملية بعث رسول إلى قوم ما؟ لا بد إذن من تمحيصه هو ومن يتبعونه، وكي لا يبقى على العهد إلا الموقن تمام اليقين بأن ما يفوته من خير الدنيا سيجد خيرا أفضل منه عند الله في الآخرة. ولقائل أن يقول: وهل من المعقول أن يستيئس الرسل؟ نقول: فلنفهم أولا معنى " استيأس " وهناك فرق بين " يأس " و " استيأس " ، ف " يأس " تعني قطع الأمل من شيء. و " استيأس " تعني: أنه يلح على قطع الأمل. أي: أن الأمل لم ينقطع بعد. ومن قطع الأمل هو من ليس له منفذ إلى الرجاء، ولا ينقطع أمل إنسان إلا إن كان مؤمنا بأسبابه المعزولة عن مسببه الأعلى. لكن إذا كان الله قد أعطى له الأسباب، ثم انتهت الأسباب، ولم تصل به إلى نتيجة، فالمؤمن بالله هو من يقول: أنا لا تهمني الأسباب لأن معي المسبب. ولذلك يقول الحق سبحانه:
ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون
[يوسف: 87]. ولذلك نجد أن أعلى نسبة انتحار إنما توجد بين الملاحدة الكافرين لأنهم لا يملكون رصيدا إيمانيا، يجعلهم يؤمنون أن لهم ربا فوق كل الأسباب وقادر على أن يخرق النواميس. أما المؤمن فهو يأوي إلى ركن شديد، هو قدرة الحق سبحانه مسبب كل الأسباب، والقادر على أن يخرق الأسباب. ولماذا يستيئس الرسل؟ لأن حرصهم على تعجل النصر دفع البعض منهم أن يسأل مثلما سأل المؤمنون:
متى نصر الله..
[البقرة: 214]. فضلا عن ظنهم أنهم كذبوا، والحق سبحانه يقول هنا: ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا.. ﴾ [يوسف: 110]. ومادة " الكاف " ، و " الذال " و " الباء " منها " كذب " ، و " كذب عليه " و " كذب ". والكذب هو القول المخالف للواقع، والعاقل هو من يورد كلامه على ذهنه قبل أن ينطق به. أما فاقد الرشد الذي لا يمتلك القدرة على التدبر فينطق الكلام على عواهنه ولا يمرر الكلام على ذهنه ولذلك يقال عنه " مخرف ". وقد سبق لنا أن شرحنا الصدق، وقلنا: إنه تطابق النسبة الكلامية مع الواقع، والكذب هو ألا تتطابق النسبة الكلامية مع الواقع. ومن يقول كلاما يعلم أنه لا يطابق الواقع يقال عنه: إنه متعمد الكذب، ومن يقول كلاما بغالبية الظن أنه لا يطابق الواقع، ونقله عن غيره فهو يكذب دون أن يحسب كذبه افتراء، والإنسان الذي يتوخى الدقة ينقل الكلام منسوبا إلى من قاله له فيقول " أخبرني فلان " فلا يعد كاذبا. ولذلك أقول دائما: يجب أن يفرق العلماء بين كذب المفتين، وكذب الخبر وكذب المخبر. فالخبر الكاذب مسئول عنه من تعمد الكذب، أما الناقل للخبر ما دام قد نسبه إلى من قاله، فموقفه مختلف. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد لها قراءتين قراءة هي: " وظنوا أنهم قد كذبوا " أي: حدثهم غيرهم كذبا وقراءة ثانية هي: " وظنوا أنهم قد كذبوا " وهي تعني: أنهم قد ظنوا أن ما قيل لهم من كلام عن النصر هو كذب. ولقائل أن يسأل: كيف يظن الرسل ذلك؟ وأقول: إن الرسول حين يطلب من قومه الإيمان يعلم أن ما يؤكد صدق رسالته هو مجيء النصر وتمر عليه بعض من الخواطر خوفا أن يقول المقاتلون الذين معه: " لقد كذب علينا " لأن الظن إخبار بالراجح. ولا يخطر على بال الرسل أن الله سبحانه وتعالى - معاذ الله - قد كذبهم وعده، ولكنهم ظنوا أن النصر سيأتيهم بسرعة وأخذوا بطء مجيء النصر دليلا على أن النصر لن يأتي. أو: أنهم خافوا أن يكذبهم الغير. ولذلك نجد الحق سبحانه يعلم رسله أن النصر سيأتي في الموعد الذي يحدده سبحانه، ولا يعرفه أحد، فسبحانه لا يعجل بعجلة العبادة حتى تبلغ الأمور ما أراد.