ويقول سبحانه: ﴿ وظنوا أنهم قد كذبوا جآءهم نصرنا.. ﴾ [يوسف: 110]. وهكذا يأتي النصر بعد الزلزلة الشديدة فيكون وقعه كوقع الماء على ذي الغلة الصادي، ولنا أن نتخيل شوق العطشان لكوب الماء. وأيضا فإن إبطاء النصر يعطي غرورا للكافرين يجعلهم يتمادون في الغرور، وحين يأتي النصر تتضاعف فرحة المؤمنين بالرسول، وأيضا يتضاعف غم الكافرين به. ومجيء النصر للمؤمنين يقتضي وقوع هزيمة للكافرين لأن تلك هي مشيئة الله الذي يقع بأسه وعذابه على الكافرين به. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب... ﴾.
12.111
ونلحظ أن هذه الآية جاءت في سورة يوسف أي: إن أردت قصة يوسف وإخوته ففي السورة كل القصة بمراميها وأهدافها وعظتها، أو المهم في كل قصص الأنبياء. يقول الحق سبحانه:
وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك..
[هود: 120]. ونعلم أن معنى القصص مأخوذ من قص الأثر وتتبعه بلا زيادة أو نقصان. ويقول الحق سبحانه هنا: ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب.. ﴾ [يوسف: 111]. وفي أول السورة قال الحق:
إن كنتم للرؤيا تعبرون
[يوسف: 43]. ونعرف أن مادة " العين " و " الباء " و " الراء " تفيد التعدية من جلي إلى خفي. والعبرة في هذه القصة - قصة يوسف - وكذلك قصص القرآن كلها نأخذ منها عبرة من الجلي فيها إلى الخفي الذي نواجهه فلا نفعل الأمور السيئة ونقدم على الأمور الطيبة. وحين نقبل على العمل الطيب الذي جاء في أي قصة قرآنية وحين نبتعد عن العمل السيء الذي جاء خبره في القصة القرآنية بذلك نكون قد أحسنا الفهم عن تلك القصص. وعلى سبيل المثال: نحن نجد الظالم في القصص القرآني وفي قصة يوسف تحديدا وهو ينتكس، فيأخذ الواحد منا العبرة، ويبني حياته على ألا يظلم أحدا. وحين يرى الإنسان منا المظلوم وهو ينتصر فهو لا يحزن إن تعرض لظلم لأنه أخذ العبرة لما ينتظره من نصر بإذن الله. ونحن نقول: " عبر النهر " أي: انتقل من شاطئ إلى شاطئ. وكذلك قولنا " تعبر الرؤيا " أي: تؤولها لأن الرؤيا تأتي رمزية وتعبرها أي: تشرحها وتنقلها من خفي إلى جلي وإيضاح المطلوب منها. ونصف الدمعة بأنها " عبرة " والحزن المدفون في النفس البشرية تدل عليه الدمعة. وهنا قال الحق سبحانه: ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب.. ﴾ [يوسف: 111]. والعبرة قد تمر، ولكن لا يلتفت إليها إلا العاقل الذي يمحص الأشياء، أما الذي يمر عليها مرور الكرام فهو لا يستفيد منها. و " أولو الألباب " هم أصحاب العقول الراجحة، و " الألباب " جمع " لب ". واللب: هو جوهر الشيء المطلوب والقشر موجود لصيانة اللب، وسمي العقل " لبا " لأنه ينثر القشور بعيدا، ويعطينا جوهر الأشياء وخيرها. ويتابع الحق سبحانه: ﴿ ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه.. ﴾ [يوسف: 111]. أي: أن ما جاء على لسانك يا محمد وأنزله الحق وحيا عليك ليس حديث كذب متعمد بل هو الحق الذي يطابق الكتب التي سبقته. ويقال: " بين يديك " أي: سبقك فإذا كنت تسير في طابور فمن أمامك يقال له " بين يديك " ، ومن وراءك يقال له " من خلفك ".
والقرآن قد جاء ليصدق الكتب التي سبقته وليست هي التي تصدق عليه لأنه الكتاب المهيمن، والحق سبحانه هو القائل:
وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه..
[المائدة: 48]. ويضيف الحق سبحانه في نفس الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ وتفصيل كل شيء.. ﴾ [يوسف: 111]. فالقرآن يصدق الكتب السابقة، ويفصل كل شيء أي: يعطي كل جزئية من الأمر حكمها في جزئية مناسبة لها. فهو ليس كلاما مجملا، بل يجري تفصيل كل حكم بما يناسب أي أمر من أمور البشر. وفي أعرافنا اليومية نقول: " فلان قام بشراء بذلة تفصيل ". أي: أن مقاساتها مناسبة له تماما ومحكمة عليه حين يرتديها. وفي الأمور العقدية نجد - والعياذ بالله - من يقول: إنه لا يوجد إله على الإطلاق، ويقابله من يقول: إن الآلهة متعددة لأن كل الكائنات الموجودة في الكون من الصعب أن يخلقها إله واحد فهناك إله للسماء، وإله للأرض وإله للنبات وإله للحيوان. ونقول لهم: كيف يوجد إله يقدر على شيء، ويعجز عن شيء آخر؟ وإن قال هؤلاء: " إن تلك الآلهة تتكاتف مع بعضها ". نرد عليهم: ليست تلك هي الألوهية أبدا، ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول: