تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12.79

ويستعيذ يوسف عليه السلام بالله أن يأخذ أحدا بدلا ممن وجد في متاعه صواع الملك، فما ذنبه في هذا الأمر؟ ولا أحد يمكن أن ينال عقابا على ذنب ارتكبه غيره. وساعة تقرأ " إذا " منونة فاعرف أن هناك جملة محذوفة، أي: أن يوسف قال: إن أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده نكون من الظالمين. وجاء " التنوين " بدلا من الجملة المحذوفة التي ذكرناها. ومثال آخر من القرآن هو قول الحق سبحانه:

وأنتم حينئذ تنظرون

[الواقعة: 84]. ويحدث ذلك حين تبلغ الروح الحلقوم، وجاء " التنوين " عوضا عن الجملة كلها. وهكذا أراد يوسف أن يذكرهم أنه لا يحق له أن يأخذ أخا منهم بدلا من بنيامين لأنه هو من وجد في متاعه صواع الملك ولا يصح له أن يظلم أحدا، أو يأخذ أحدا بجريرة أحد آخر. وهنا علم أبناء يعقوب أن المسألة لا يبت فيها بسهولة لأنها تتعلق بأمر خطير. ويصور الحق سبحانه حالتهم هذه فيقول: ﴿ فلما استيأسوا منه... ﴾.

12.80

ويقال: " يئس " أي: قطع الأمل من الشيء، وهم لم يقطعوا الأمل فقط، بل استيأسوا، وهو أمر فوق اليأس. فهم قد أخذوا يرققون كل ألوان المرققات ولا فائدة وكلما أوردوا مرققا يجدون الباب أمامهم موصدا. وكأنهم بذلك يلحون على اليأس أن يأتيهم لأن الظروف المحيطة والجو المحيط لا يحمل أي بارقة أمل، وكلما تبدو بارقة أمل ويطلبونها يجدون الطريق موصدا فكأنهم يطلبون اليأس من أن يأذن يوسف بسفر أخيهم بنيامين معهم في رحلة العودة إلى أبيهم. وهنا: ﴿ خلصوا نجيا.. ﴾ [يوسف: 80]. أي: أنهم انفردوا عنه، وعن أعين الحاضرين العزيز يوسف، ومن حوله من المعاونين له، وأخيهم موضع الخلاف، وانفردوا بأنفسهم. والانفراد هو المناجاة والمناجاة مسرة والمسرة لا تكون إلا في أمر لا تحب لغيرك أن يطلع عليه. ونلحظ أن: ﴿ خلصوا.. ﴾ [يوسف: 80] هي جمع، و: ﴿ نجيا.. ﴾ [يوسف: 80] مفرد، وهذا من ضمن المواقع التي يتساءل فيها من لا يملكون ملكة عربية: كيف يأتي القرآن بمفرد بعد الجمع؟ ونقول دائما: لو أنهم امتلكوا اللغة كملكة لعرفوا أن ذلك جائز جدا. ومثال هذا هو قول الحق سبحانه:

والملائكة بعد ذلك ظهير

[التحريم: 4]. وهم لا يفهمون أن اللغة فيها ألفاظ يستوي فيها المفرد والجمع، كأن الملائكة يجمعون قوة كل واحد منهم لتكون قوة واحدة. ومثال آخر: هو قول إبراهيم خليل الرحمن:

قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآبآؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين

[الشعراء: 75-77]. أي: أن إبراهيم عليه السلام جمع الآلهة المتعددة التي يعبدونها وجعلها عدوا واحدا له. وكذلك يمكن أن نفعل مع كلمة " صديق " ، وكذلك كلمة " عدل " فحين ينظر القضاء في أمر قضية ما فالقاضي لا يصدر الحكم وحده بل يصدره بعد التشاور مع المستشارين ويصدر الحكم من الثلاثة: رئيس المحكمة، وعضو اليمين، وعضو اليسار وكلاهما بدرجة مستشار. ويقال: " حكم القضاة عدلا ". ولا يقال: إن كل مستشار أو قاض له عدل. وكذلك: ﴿ نجيا.. ﴾ [يوسف: 80]. في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فهم حين استيأسوا من يوسف انفردوا بأنفسهم ليتناجوا. وعادة يكون الرأي الأول للأخ الأكبر، الذي عادة ما يكون له من الخبرة والحكمة ما يتيح له أن يبدي الرأي الصواب. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ﴾ [يوسف: 80]. وقد يكون كبيرهم هو أكبرهم عمرا أو هو رئيس الرحلة، وحين رآهم قد قبلوا فكرة العودة دون أخيهم الذي احتجزه عزيز مصر قال لهم رأيه الذي حذرهم فيه أن يغفلوا عن أن أباهم قد أخذ منهم موثقا من الله إلا أن يحاط بهم كما يجب ألا ينسوا أن لهم سابقة حين أخذوا يوسف وضيعوه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٧٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٧٧٦