تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا في الموقف الذي نتناوله بالخواطر، نجد الملك وهو يستدعي النسوة اللاتي قطعن أيديهن، وراودن يوسف عن نفسه، وهو ما يذكره الحق سبحانه: ﴿ قال ما خطبكن... ﴾.

12.51

ونعلم أن المراودة الأولى ليوسف كانت من امرأة العزيز واستعصم يوسف، ثم دعت هي النسوة إلى مجلسها وقطعن أيديهن حين فوجئن بجمال يوسف عليه السلام، وصدرت منهن إشارات، ودعوات إثارة وانفعال. قال عنها يوسف ما أورد الحق سبحانه:

وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين

[يوسف: 33]. واستدعاهن الملك، وسألهن: ﴿ ما خطبكن.. ﴾ [يوسف: 51]. والخطب: هو الحدث الجلل، فهو حدث غير عادي يتكلم به الناس فهو ليس حديثا بينهم وبين أنفسهم بل يتكلمون عنه بحديث يصل إلى درجة تهتز لها المدينة لأن مثل هذا الحادث قد وقع. ولذلك نجد إبراهيم عليه السلام، وقد قال لجماعة من الملائكة:

قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين

[الذاريات: 31-32]. أي: أن الملائكة طمأنت إبراهيم عليه السلام فهي في مهمة لعقاب قوم مجرمين. وموسى عليه السلام حين عاد إلى قومه، ووجد السامري قد صنع لهم عجلا من الذهب الذي أخذوه من قوم فرعون نجده يقول للسامري:

قال فما خطبك يسامري

[طه: 95]. وقول الملك هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه.. ﴾ [يوسف: 51]. يدل على أنه قد سمع الحكاية بتفاصيلها فاهتز لها واعتبرها خطبا مما يوضح لنا أن القيم هي القيم في كل زمان أو مكان. وبدأ النسوة الكلام، فقلن: ﴿ حاش لله ما علمنا عليه من سوء.. ﴾ [يوسف: 51]. ولم يذكرن مسألة مراودتهن له، وكان الأمر المهم هو إبراء ساحة يوسف عند الملك. وقولهن: ﴿ حاش لله... ﴾ [يوسف: 51] أي: ننزه يوسف عن هذا، وتنزيهنا ليوسف أمر من الله. وهنا تدخلت امرأة العزيز: ﴿ قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق.. ﴾ [يوسف: 51]. أي: أنها أقرت بأنه لم يعد هناك مجال للستر، ووضح الحق بعد خفاء، وظهرت حصة الحق من حصة الباطل، ولا بد من الاعتراف بما حدث: ﴿ أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ﴾ [يوسف: 51]. وواصلت امرأة العزيز الاعتراف في الآية التالية: ﴿ ذلك ليعلم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٧٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٧٥٨