قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين
[يوسف: 92]. وسبق أن قال لهم بلطف من يلتمس لهم العذر بالجهل:
هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون
[يوسف: 89]. وهو هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يذكر إحسان الحق سبحانه له فيقول: ﴿ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا.. ﴾ [يوسف: 100]. ويثني على الله شاكرا إحسانه فيقول: ﴿ وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن.. ﴾ [يوسف: 100]. وهو إحسان له في ذاته، ثم يذكر إحسان الله إلى بقية أهله: ﴿ وجآء بكم من البدو.. ﴾ [يوسف: 100]. وكلمة " أحسن " - كما نعلم - مرة تتعدى ب إلى، فتقول: " أحسن إليه " ، ومرة تتعدى بالباء، فنقول: " أحسن به " ، وهو هنا في مجال " أحسن بي ". أي: أن الإحسان بسببه قد تعلق بكل ما اتصل به فجعله حاكما، وجاء بأهله من البدو أما الإحسان إليه فيكون محصورا في ذاته لا يتعداه. وجعل الحق سبحانه الإحسان هنا قسمين: قسم لذاته وقسم للغير، واعتبر مجيء الأهل من البدو إحسانا إليه، لأن البدو قوم يعيشون على الفطرة والانعزالات الأسرية، ولا توطن لهم في مكان، ولا يضمهم مجتمع، وليس لهم بيوت مبنية يستقرون فيها، ولكنهم يتبعون أرزاقهم من منابت الكلأ ومساقط المياه، ويحملون رحالهم إلى ظهر الجمال متنقلين من مكان لآخر. وتخلو حياتهم من نعم الحضارة. ففي الحضارة يحضر إليك كل ما تطلب، ولكن الحياة في البدو تحتم أن يذهب الإنسان إلى حيث يجد الخير ولذلك تستقر الحياة في الحضر عنها في البادية. ويعطينا الشاعر أحمد شوقي - رحمة الله عليه - صورة تبين الفارق بين البدو والحضر، حين صنع مناظرة بين واحدة تتعصب للبدو، وأخرى تتعصب للحضر. فقال:
فأنا من البيد يا ابن جريج
ومن هذه العيشة الجافيه
ومن حالب الشاة في موضع
ومن موقد النار في ناحيه
مغنيكمو معبد والغريق
وقينتنا الضبع العاويه
هم يأكلون فنون الطهاة
ونحن نأكل ما طهت الماشيه
فابن جريج يشكو السأم من حياة البادية، حيث لا يرى إلا المناظر المعادة من حلب لشاة، أو إشعال نار، ولا يسمع كأهل الحضر صوت المغنين المشهورين في ذلك الزمن بل يسمع صوت الضباع العاوية، ولا يأكل مثل أهل الحضر ما قام بطهيه الطهاة بل يأكل اللبن وهو ما تقدمه لهم الماشية. وترد ليلى المتعصبة للبادية:
قد اعتسفت هند يا ابن جريج
وكانت على مهدها قاسيه
فما البيد إلا ديار الكرام
ومنزلة الذمم الواقيه
لها قبلة الشمس عند البزوغ
وللحضر القبلة الثانيه
ونحن الرياحين ملء الفضاء
وهن الرياحين في آنيه
ويقتلنا العشق والحاضرات
يقمن من العشق في غاميه
وقولها " اعتسفت " يعني " ظلمت " ، أي: أن هندا ظلمت البيد يا ابن جريج، ثم جاءت بميزات البدو فأوضحت أن بنات البادية كالرياحين المزروعة في الفضاء الواسع، عكس بنات الحضر التي تشبه الواحدة منهن الريحانة المزروعة في أصص الزرع، أو أي آنية أخرى.
ثم تأتي إلى القيم فتفخر أن بنت البادية يقتلها العشق، ولا تنال ممن تعشق شيئا فتنسل وتموت، أما بنت الحضر فصحتها تأتي على الحب. وهنا في الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - يشكر يوسف ما من به الله عليه، وعلى أهله الذين جاء بهم سبحانه من البادية، ليعيشوا في مصر ذات الحضارة الواسعة وبذلك يكون قد ضخم الفرق بين ما كانوا يعيشون فيه من شظف العيش إلى حياة اللين والدعة. ثم يلمس ما كان من إخوته تجاهه فيقول: ﴿ من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي.. ﴾ [يوسف: 100]. وهذا مس لطيف لما حدث، وقد نسبه يوسف للشيطان وصوره على أنه " نزغ ". أي: أنه لم يكن أمرا مستقرا على درجة واحدة من السوء. أي: أن ما فعله الشيطان هو مجرد وخزة تنبه إلى الشيء الضار فيندفع له الإنسان، وهي مأخوذة من المهماز الذي يروض به مدرب الخيل أي حصان، فهو ينغزه بالمهماز نزغة خفيفة، فيستمع وينفذ ما أمره به، فالنغز تنبيه لمهمة، ويختلف عن الطعن. والحق سبحانه ينبهنا إلى ما يفعله الشيطان فيقول لنا: