وهذا القول هو نتيجة لا تنسجم مع المقدمات، فيوسف وأخوه طفلان ماتت أمهما، ولا بد أن يعطف عليهم الأب وحبه لهما لم يمنع حبه للأبناء الكبار القادرين على الاعتماد على أنفسهم. وحين يقولون: ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين ﴾ [يوسف: 8]. قد يفهم بعض الناس كلمة " ضلال " هنا بالمعنى الواسع لها. نقول: لا لأن هناك ضلالا مقصودا، وهو أن يعرف طريق الحق ويذهب إلى الباطل، وهذا ضلال مذموم. وهناك ضلال غير مقصود، مثل: ضلال رجل يمشي فيسلك طرقا لا يعرفها فيضل عن مقصده ومثل من ينسى شيئا من الحق. وسبحانه القائل:
أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى..
[البقرة: 282]. وسبحانه القائل أيضا:
ووجدك ضآلا فهدى
[الضحى: 7]. إذن: فالضلال المذموم هو أن تعرف طريق الحق، وتذهب إلى الضلال. وهكذا أخطأ إخوة يوسف في تقدير أمر حب أبيهم ليوسف وأخيه ووصلوا إلى نتيجة ضارة لأن المقدمات التي أقاموا عليها تلك النتيجة كانت باطلة ولو أنهم محصوا المقدمات تمحيصا دقيقا لما وصلوا إلى النتيجة الخاطئة التي قالوها: ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين ﴾ [يوسف: 8]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ما جاء على ألسنة إخوة يوسف: ﴿ اقتلوا يوسف... ﴾.
12.9
والقتل هو قمة ما فكروا فيه من شر ولأنهم من الأسباط هبط الشر إلى مرتبة أقل فقالوا: ﴿ أو اطرحوه أرضا.. ﴾ [يوسف: 9]. فكأنهم خافوا من إثم القتل وظنوا بذلك أنهم سينفردون بحب أبيهم لأنهم قالوا: ﴿ يخل لكم وجه أبيكم.. ﴾ [يوسف: 9]. والوجه هو الذي تتم به المواجهة والابتسام والحنان، وهو ما تظهر عليه الانفعالات. والمقصود ب: ﴿ يخل لكم وجه أبيكم.. ﴾ [يوسف: 9]. هو ألا يوجد عائق بينكم وبين أبيهم. وقولهم: ﴿ وتكونوا من بعده قوما صالحين ﴾ [يوسف: 9]. أي: أنهم يقدرون الصلاح ويعرفون أن الذي فكروا فيه غير مقبول بموازين الصلاح ولذلك قالوا: إنهم سيتوبون من بعد ذلك. ولكن: ما الذي أدراهم أنهم سوف يعيشون إلى أن يتوبوا؟ وهم بقولهم هذا نسوا أن أمر الموت قد أبهم حتى لا يرتكب أحد المعاصي والكبائر. أو: أن يكون المقصود ب: ﴿ قوما صالحين ﴾ [يوسف: 9]. هو أن يكونوا صالحين لحركة الحياة، ولعدم تنغيص علاقتهم بأبيهم فحين يخلو لهم وجهه سيرتاحون إلى أن أباهم سيعدل بينهم، ويهبهم كل حبه فيرتاحون. أو أن يكون المقصود ب: ﴿ قوما صالحين ﴾ [يوسف: 9]. أن تلك المسألة التي تشغل بالهم وتأخذ جزءا من تفكيرهم إذا ما وجدوا لها حلا فسيرتاح بالهم فينصلح حالهم لإدارة شئون دنياهم. وهكذا نفهم أن سعيهم إلى الصلاح: منوط بمراداتهم في الحياة، بحسب مفهومهم للصلاح والحياة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ قال قآئل منهم... ﴾.