12.107
ألم يحسب هؤلاء حساب انتقام الله منهم بعذاب الدنيا الذي يعم لأن الغاشية هي العقاب الذي يعم ويغطي الجميع أم أنهم استبطئوا الموت، واستبطئوا القيامة وعذابها رغم أن الموت معلق على رقاب الجميع، ولا أحد يعلم ميعاد موته. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
" من مات قامت قيامته ".
فما الذي يبطئهم عن الإيمان بالله والإخلاص التوحيدي لله، بدون أن يمسهم شرك قبل أن تقوم قيامتهم بغتة أي: بدون جرس تمهيدي. ونعلم أن من سبقونا إلى الموت لا يطول عليهم الإحساس بالزمن إلى أن تقوم قيامة كل الخلق لأن الزمن لا يطول إلا على متتبع أحداثه. والنائم مثلا لا يعرف كم ساعة قد نام لأن وعيه مفقود فلا يعرف الزمن، والذي يوضح لنا أن الذين سبقونا لا يشعرون بمرور الزمن هو قوله الحق:
كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها
[النازعات: 46]. ويأتي قول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ قل هذه سبيلي أدعو... ﴾.
12.108
أي: قل يا محمد هذا هو منهجي. والسبيل كما نعلم هو الطريق، وقوله الحق: ﴿ هذه سبيلي.. ﴾ [يوسف: 108]. يدل على أن كلمة السبيل تأتي مرة مؤنثة، كما في هذه الآية، وتأتي مرة مذكرة كما في قوله الحق:
وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا..
[الأعراف: 146]. وأعلن يا محمد أن هذه الدعوة التي جئت بها هي للإيمان بالله الواحد وسبحانه لا ينتفع بالمنهج الذي نزل عليك ليطبقه العباد، بل فيه صلاح حياتهم، وسبحانه هو الله فهو الأول قبل كل شيء بلا بداية، والباقي بعد كل موجود بلا نهاية ومع خلق الخلق الذين آمنوا هو الله وإن كفروا جميعا هو الله، والمسألة التكليفية بالمنهج عائدة إليكم أنتم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. ولنقرأ قوله الحق:
إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت
[الانشقاق: 1-2]. فهي تنشق فور سماعها لأمر الله، وتأتي لحظة الحساب. وقوله الحق: ﴿ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة.. ﴾ [يوسف: 108]. أي: أدعو بالطريق الموصل إلى الله إيمانا به وتقبلا لمنهجه، وطلبا لما عنده من جزاء الآخرة وأنا على بصيرة مما أدعو إليه. والبصر - كما نعلم - للمحسات، والبصيرة للمعنويات. والبصر الحسي لا يؤدي نفس عمل البصيرة لأن البصيرة هي يقين مصحوب بنور يقنع النفس البشرية، وإن لم تكن الأمور الظاهرة ملجئة إلى الإقناع. ومثال هذا: أم موسى حين أوحى الله لها أن تقذف ابنها في اليم، ولو قاست هي هذا الأمر بعقلها لما قبلته، لكنها بالبصيرة قبلته لأنه وارد من الله لا معاند له من النفس البشرية. فالبصيرة إذن: هي يقين ونور مبني على برهان من القلب فيطيعه العبد طاعة بتفويض، ويقال: إن الإيمان طاعة بصيرة. ويمكن أن نقرأ قوله الحق: ﴿ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة.. ﴾ [يوسف: 108]. وهنا جملة كاملة ونقرأ بعدها: ﴿ أنا ومن اتبعني.. ﴾ [يوسف: 108]. أو نقرأها كاملة: ﴿ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله ومآ أنا من المشركين ﴾ [يوسف: 108]. وقول الحق: ﴿ وسبحان الله.. ﴾ [يوسف: 108]. أي: أنه سبحانه منزه تنزيها مطلقا في الذات، فلا ذات تشبهه فذاته ليست محصورة في القالب المادي مثلك، والمنفوخة فيه الروح، وسبحانه منزه تنزيها مطلقا في الأفعال، فلا فعل يشبه فعله وكذلك صفاته ليست كصفات البشر، فحين تعلم أن الله يسمع ويرى، فخذ ذلك في نطاق:
ليس كمثله شيء..
[الشورى: 11]. وكذلك وجوده سبحانه ليس كوجودك لأن وجوده وجود واجد أزلي، وأنت حدث طارئ على الكون الذي خلقه سبحانه. ولذلك قاس بعض الناس رحلة الإسراء والمعراج على قدرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينتبهوا إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" لقد أسري بي ".