وأنت في هذه الدنيا تملك السيطرة على جوارحك تقول لليد " إضربي فلان " فتضرب يدك فلانا، إلى أن يأتي اليوم الآخر فلا يملك الإنسان السيطرة على جوارحه لأن الملك يومها يكون لله وحده، فسبحانه القائل:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]. ففي اليوم الآخر تنتفي كل الولايات، وتكون الولاية لله وحده. وبجانب " الملك " و " الملك " هناك الملكوت، وهو ما لا تراه بأجهزة الحواس. وسبحانه يقول:
وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض..
[الأنعام: 75]. أي: أن الحق سبحانه قد كشف لإبراهيم أسرار العالم الخفية من المخلوقات، وأنت ترى العلماء وهم يتتبعون أسرار ممالك النباتات والحيوانات فتتعجب من دقة خلق الله. ومن وهبه الله دقة العلم وبصيرة العلماء، يرى بإشعاعات البصر والعلم عالم الملكوت، ويستخرج الأسرار، ويستنبط الحقائق. ويضيف يوسف عليه السلام في مناجاته لربه: ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث.. ﴾ [يوسف: 101]. وهو يعترف بفضل الله عليه حين اختصه بالقدرة على تأويل الأحاديث تلك التي أول بها رؤيا الفتيين اللذين كانا معه في السجن وأول رؤيا الملك هذا التأويل الذي قاده إلى الحكم، وليس هذا غريبا أو عجيبا بالنسبة لقدرة الله سبحانه. ويقول يوسف شاكرا لله: ﴿ فاطر السماوات والأرض.. ﴾ [يوسف: 101]. وما دام سبحانه هو خالق كل شيء فليس غريبا أن يعلمه سبحانه ما شاء، وكأن إيمان يوسف قد وصل به إلى أن يعلم ما قاله الحق سبحانه:
ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير
[الملك: 14]. ونحن في حياتنا نجد الذي صنع جهازا يستفيد منه غيره يوضح مواصفات استعمال الجهاز أو الأداة، حتى ولو كانت نورجا أو محراثا وذلك ليضمن للجهاز الحركة السوية التي يؤدي بها الجهاز عمله. والواحد منا إن تعطلت منه السيارة يستدعي الميكانيكي الذي ينظر ما فيها فإن كان أمينا، فهو يشخص بدقة ما تحتاجه السيارة، ويصلحها، وإن كان غير أمين ستجده يفسد الصالح، ويزيد من الأعمال التي لا تحتاجها السيارة. وهكذا نرى أن كل صانع في مجاله يعلم أسرار صنعته، فما بالنا بالخالق الأعظم سبحانه وتعالى؟ إنه خبير عليم بكل شيء. ولماذا قال يوسف عن الحق سبحانه: ﴿ فاطر السماوات والأرض.. ﴾ [يوسف: 101] لأنه يعلم أن الحق سبحانه قد خلق الإنسان والإنسان له بداية ونهاية، لا يعلمها أحد غير الله سبحانه، فقد يموت الإنسان وعمره يوم، أو يموت في بطن أمه، أو بعد مائة سنة، وتمر على الإنسان الأغيار. أما السماوات والأرض فهي مخلوقات ثابتة، فالشمس لا تحتاج إلى قطعة غيار، ولم تقع، وتعطي الدفء للأرض، وهي مرفوعة عن الأرض لا تقع عليها بمشيئة الله. والحق سبحانه هو القائل:
ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم
[الحج: 65]. واسمع قوله الحق:
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون
[غافر: 57]. فالإنسان يتغير ويموت أما السماوات والأرض فثابتة إلى ما شاء الله. ويقول يوسف عليه السلام مواصلا المناجاة لله: ﴿ أنت وليي في الدنيا والآخرة.. ﴾ [يوسف: 101]. وصحيح أن الحق سبحانه ولي ليوسف في الدنيا، وقد نصره وقربه وأعانه بدليل كل ما مر به من عقبات، ويرجو يوسف ويدعو ألا يقتصر عطاء الله له في الدنيا الفانية، وأن يثيبه أيضا في الباقية، الآخرة. ومادام سبحانه وليه في الدنيا والآخرة فيوسف يدعوه: ﴿ توفني مسلما وألحقني بالصالحين ﴾ [يوسف: 101]. وقوله: ﴿ توفني مسلما ﴾ [يوسف: 101]. إنما بسبب أن يكون أهلا لعطاء الله له في الآخرة فقد أخذ يوسف عطاء الدنيا واستمتع به، ومتع به، ومشى فيه بما يرضي الله. وعند تمني يوسف للوفاة وقف العلماء، وقالوا: ما تمناها أحد إلا يوسف. فالإنسان إن كان موفقا في الدنيا، تجده دائم الطموح، وتواقا إلى المزيد من الخير. وتحمل لنا ذاكرة التاريخ عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه قبل الإمارة، حينما كانوا يجيئون له بثوب ناعم كان يطلب الأكثر منه نعومة، وإذا جيء له بطعام لين كان يطلب الأكثر ليونة. وحين صار خليفة كانوا يأتونه بالثوب فيطلب الأكثر خشونة وظن من حوله أنه لم يعد منطقيا مع نفسه، ولم يفهموا أن له نفسا تواقة إلى الأفضل تستشرف الأعلى دائما، فحينما تاق إلى الإمارة جاءته وحين تاق إلى الخلافة جاءته، ولم يبق بعدها إلا الجنة. ونجد ميمون بن مهران وكان ملازما له رضي الله عنهما دخل عليه مرة فوجده يسأل ربه الموت. فقال: يا أمير المؤمنين، أتسأل ربك الموت وقد صنع الله على يديك خيرا كثيرا فأحييت سننا وأمت بدعا وبقاؤك خير للمسلمين؟ فقال عمر بن عبد العزيز: ألا أكون كالعبد الصالح حينما أتم الله عليه نعمته قال: ﴿ توفني مسلما وألحقني بالصالحين ﴾ [يوسف: 101]. وقوله: ﴿ توفني مسلما.. ﴾ [يوسف: 101]. مكونة من شقين: الشق الأول: طلب الموت. والشق الثاني: أن يموت مسلما. وكلنا يتوفى دون أن يطلب، وعلى ذلك يكون الشق الأول غير مطلوب في ذاته لأنه واقع لا محالة، ويصبح المطلوب - إذن - هو الشق الثاني، وهو أن يتوفاه الله مسلما ولذلك حين نأتي إلى القبور نقول: السلام عليكم ديار قوم مؤمنين، أنتم السابقون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. وإن قال سائل: ولماذا نقول إن شاء الله بكم لاحقون، رغم أننا سنموت حتما؟ نقول: إن قولنا " إن شاء الله " سببه هو رغبتنا أن نلحق بهم كمؤمنين. وأيضا قد يسأل سائل: لماذا يقول نبي لربه: ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ [يوسف: 101].