تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12.95

وكأنهم قد ملوا حديثه عن يوسف وأعرضوا عن كلامه قائلين له: إلى متى ستظل على ضلالك، وهم لا يعنون الضلال بمعنى الخروج عن المنهج، ولكنهم يعنون الضلال بمعنى الجزئيات التي لا علاقة لها بالتدين من محبة شديدة ليوسف، وتعلق به، والتمني لعودته، وكثرة الحديث عنه، وتوقع لقائه، وهم الذين ظنوا أن يوسف قد مات. ويأتي البشير ليعقوب، يقول الحق سبحانه: ﴿ فلمآ أن جآء البشير... ﴾.

12.96

وحين حضر البشير، وهو كما تقول الروايات كبير الإخوة ويقال أيضا: إنه يهوذا وهو من رفض أن يغادر مصر إلا بعد أن يأذن له والده، أو يأتي حل من السماء لمشكلة بقاء بنيامين في مصر، بعد اتهام أعوان العزيز له بالسرقة، طبقا لما أراده يوسف ليستبقي شقيقه معه. ولما جاء هذا البشير ومعه قميص يوسف فألقاه على وجه الأب تنفيذا لأمر يوسف عليه السلام. وبذلك زال سبب بكاء يعقوب، وفرح يعقوب فرحا شديدا لأنه في أيام حزنه على يوسف، وابيضاض عينيه من كثرة البكاء حدثه قلبه بالإلهام من الله أن يوسف ما زال حيا وكان البكاء عليه من بعد ذلك هو بكاء من فرط الشوق لرؤية ابنه. وكذلك قد يكون يوسف قد علم بالوحي من الله أن إلقاء القميص على وجه أبيه يرد إليه بصره، بإذن من الحق سبحانه وتعالى، فضلا عن أن الفرح له آثار نفسية تنعكس على الحالة الصحية، وهكذا تجلت انتصارات الحق والنبوة. وقال يعقوب عليه السلام: ﴿ ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ [يوسف: 96]. ولم يقل ذلك إذلالا لهم، بل ليعطي الثقة والتوثيق لأخبار كل نبي، وأن الواقع قد أيد الكلام الذي قاله لهم:

يبني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون

[يوسف: 87]. فإذا جاءكم خبر من معصوم إياكم أن تقفوا بعقولكم فيه لأن العقول تأخذ مدركات الأشياء على قدرها، وهناك أشياء فوق مدركات العقول. وحين يحدثكم معصوم عن ما فوق مدركات عقولكم إياكم أن تكذبوه سواء فهمتم ما حدثكم عنه، أو لم تستوعبوا حديثه عما فوق مدركات العقول. وهنا يقر إخوة يوسف بذنوبهم فيقول الحق سبحانه: ﴿ قالوا يأبانا استغفر... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٧٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٧٨٨