إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا..
[الأنفال: 12]. وسبحانه يوحي إلى من يصطفي من البشر إلى صفوتهم مصداقا لقوله سبحانه:
وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون
[المائدة: 111]. ويقذف الحق سبحانه بالإلهام وحيا لا يستطيع الإنسان دفعا له، مثل الوحي لأم موسى بأن تلقي طفلها الرضيع موسى في اليم:
إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني
[طه: 38-39]. ويوحي سبحانه إلى الأرض وهي الجماد، مثل قوله الحق:
بأن ربك أوحى لها
[الزلزلة: 5]. وأوحى سبحانه إلى النحل، فقال الحق:
وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا..
[النحل: 68-69]. والحق سبحانه يوحي لمن شاء بما شاء، فالكل جماد ونبات وحيوان وإنسان من خلقه، وهو سبحانه يخاطبهم بسر خلقه لهم، واختلاف وسائل استيعابهم لذلك. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ إذ قال يوسف لأبيه... ﴾.
12.4
وهكذا تبدأ قصة يوسف، حين يقول لأبيه يعقوب عليهما السلام " يا أبت " ، وأصل الكلمة " يا أبي " ، ونجد في اللغة العربية كلمات " أبي " و " أبت " و " أبتاه " و " أبة " وكلها تؤدي معنى الأبوة، وإن كان لكل منها ملحظ لغوي. ويستمر يوسف في قوله: ﴿ يأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ﴾ [يوسف: 4]. وكلنا رأينا الشمس والقمر كل في وقت ظهوره لكن حلم يوسف يبين أنه رآهما معا، وكلنا رأينا الكواكب متناثرة في السماء آلافا لا حصر لها، فكيف يرى يوسف أحد عشر كوكبا فقط؟ لا بد أنهم اتصفوا بصفات خاصة ميزتهم عن غيرهم من الكواكب الأخرى وأنه قام بعدهم. ورؤيا يوسف عليه السلام تبين أنه رآهم شمسا وقمرا وأحد عشر كوكبا ثم رآهم بعد ذلك ساجدين. وهذا يعني أنه رآهم أولا بصفاتهم التي نرى بها الشمس والقمر والنجوم بدون سجود ثم رآهم وهم ساجدون له بملامح الخضوع لأمر من الله، ولذلك تكررت كلمة " رأيت " وهو ليس تكرارا، بل لإيضاح الأمر. ونجد أن كلمة: ﴿ ساجدين ﴾ [يوسف: 4]. وهي جمع مذكر سالم ولا يجمع جمع المذكر السالم إلا إذا كان المفرد عاقلا، والعقل يتميز بقدرة الاختيار بين البدائل والعاقل المؤمن هو من يجعل اختياراته في الدنيا في إطار منهج الدين، وأسمى ما في الخضوع للدين هو السجود لله. ومن سجدوا ليوسف إنما سجدوا بأمر من الله، فهم إذن يعقلون أمر الحق سبحانه وتعالى. مثلهم في ذلك مثل ما جاء في قول الحق سبحانه:
إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت
[الانشقاق: 1-2]. هذه السماء تعقل أمر ربها الذي بناها. وقال عنها أنها بلا فروج:
أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج
[ق: 6]. وهي أيضا تسمع أمر ربها، مصداقا لقوله سبحانه:
وأذنت لربها وحقت
[الانشقاق: 2]. أي: أنها امتلكت حاسة السمع لأن " أذنت " من الأذن وكأنها بمجرد سماعها لأمر الله تنفعل وتنشق. وهكذا نجد أن كل عالم من عوالم الكون أمم مثل أمة البشر، ويتفاهم الإنسان مع غيره من البشر ممن يشتركون معه في اللغة، وقد يتفاهم مع البشر أمثاله ممن لا يعرف لغتهم بالإشارة، أو من خلال مترجم، أو من خلال تعلم اللغة نفسها. ولكن الإنسان لا يفهم لغة الجماد، أو لغة النبات، أو لغة الحيوان إلا إذا أنعم الله على عبد بأن يفهم عن الجماد، أو أن يفهم الجماد عنه. والمثل: هو تسبيح الجبال مع داود، ويشكل تسبيحه مع تسبيحها " جوقة " من الانسجام مكون من إنسان مسبح هو أعلى الكائنات، والمردد للتسبيح هي الجبال، وهي من الجماد أدنى الكائنات.