تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12.89

ومجيء هذا القول في صيغة السؤال يدفعهم إلى التأمل والتدقيق لمعرفة شخصية المتحدث. ثم يأتي التلطف الجميل منه حين يضيف: ﴿ ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ﴾ [يوسف: 89]. وفي هذا القول ما يلتمس لهم به العذر بالجهل، ولم يتحدث إليهم بعزة الكبرياء، وغرور المكانة التي وصل إليها، وهدفه أن يخفف عنهم صدمة المفاجأة، فذكر لهم أنهم فعلوا ذلك أيام جهلهم. وهذا مثلما يكون أحدهم قد أخطأ في حقك قديما بسلوك غير مقبول، ولكن الأيام أزالت مرارتك من سلوكه، فتذكره بما فعله قديما وأنت تقول له: إن فعلك هذا قد صدر منك أيام طيشك، لكنك الآن قد وصلت إلى درجة التعقل وفهم الأمور. وقول يوسف عليه السلام لهم هذا الأمر بهذه الصيغة من التلطف، إنما يعبر أيضا عن تأثره بشكواهم، ثم تبسمه لهم، وظهور ثناياه دفعهم إلى تذكره، ودار بينهم وبينه الحوار الذي جاء في الآية التالية: ﴿ قالوا أءنك لأنت يوسف... ﴾.

12.90

وهكذا انتبهوا إلى شخصية يوسف وتعرفوا عليه، وقالوا: ﴿ أءنك لأنت يوسف.. ﴾ [يوسف: 90]. وجاء قولهم بأسلوب الاستفهام التقريري الذي أكدوه ب " إن " و " اللام " ، وقد قالوا ذلك بلهجة ممتلئة بالفرح والتعجب بنجاحهم في التحسس الذي أوصاهم به أبوهم. فرد عليهم: ﴿ أنا يوسف وهذا أخي.. ﴾ [يوسف: 90]. وبطبيعة الحال هم يعرفون أخ يوسف " بنيامين " ، وجاء ذكر يوسف له هنا دليلا على أن بنيامين قد دخل معه في النعمة، وأن الحق سبحانه قد أعز الاثنين. ويجيء شكر يوسف لله على نعمته في قوله: ﴿ قد من الله علينآ إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ [يوسف: 90]. وجاء يوسف بهذا القول الذي يعرض القضية العامة التي تنفعهم كإخوة له، وتنفع أي سامع لها وكل من يتلوها، وقد قالها يوسف عليه السلام بعد بينة من واقع أحداث مرت به بدء من الرؤيا إلى هذا الموقف. فهو كلام عليه دليل من واقع معاش، فقد من الله على يوسف وأخيه مما ابتليا به واجتمعا من بعد الفرقة، وعلل يوسف ذلك بالقول: ﴿ إنه من يتق.. ﴾ [يوسف: 90]. أي: من يجعل بينه وبين معصية الله وقاية، ويخشى صفات الجلال، ويتبع منهجه سبحانه، ويصبر على ما أصابه، ولا تفتر همته عن عبادة الله طاعة، ويتجنب كل المعاصي مهما زينت له. فسبحانه وتعالى لا يضيع أجر المحسنين الذين يتقونه، وصاروا بتقواهم مستحقين لرحمته، وإحسانه في الدنيا والآخرة. ويأتي قول الحق سبحانه بعد ذلك ليحمل لنا ما قاله إخوة يوسف في هذا الموقف: ﴿ قالوا تالله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٧٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٧٨٤